الرسول الأخير
عندما وصف البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لبنان بأنّه “رسالة”، كان يعني أنّ أهمية هذا البلد لا تنطلق من واقعه الجغرافي. وها هو أمين سر دولة الفاتيكان يؤكد هذه الأهمية كي يقول للعالم بما معناه أنّ استباحة هذا البلد جغرافياً لن تفلح معنوياً على المستوى الرسولي
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
يشهد لبنان هذا الأسبوع حضور الفاتيكان على ارفع مستوى لا يضاهيه فقط سوى حضور البابا فرنسيس شخصيا. فمنذ امس الاحد كانت زيارة أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين للبنان قبلة الأنظار ، وهي ستستمر على هذا المنوال حتى الخميس المقبل.
ماذا يستطيع ان بارولين ان يقدمه لهذا البلد ، بصفته ممثل الدولة الأولى عالميا على المستوى الروحي للمسيحيين ؟ وهل بامكانه احراز نجاح في لبنان ،ما لم يحرزه ممثل رئيس الدولة الأولى في العالم الأسبوع الماضي؟ والمعني هنا هو اموس هوكشتاين موفد الرئيس الأميركي جو بايدن؟
ليس مطلوبا من خلال مقارنة زيارة امين سر دولة الفاتيكان بزيارة الوسيط الأميركي، الذهاب الى اطلاق احكام مسبقة ، فتستند هذه الاحكام الى الفشل الذي منيّ به هوكشتاين في مسعاه المكوكي بين تل ابيب وبيروت. بل ان المطلوب من هذه المقاربة بين زيارتيّ رمزيّن لاهم مرجعيتيّن روحية وزمنية في عالمنا المعاصر، هو لفت الانتباه الى ان لبنان على حافة خطر عاش مثيله عام 2006 التي توصف بانها الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان. أما الحرب الأولى، فهي التي وقعت صيف عام 1982 وادت الى انهاء الوجود الفلسطيني المسلح. وهذه المرة ، تلوح في الأفق الحرب الثالثة هذا الصيف حيث تعلن إسرائيل انها ذاهبة اليها لانهاء وجود “حزب الله” في الجنوب.
من ملامح الحرب الثانية التي شهدت اكبر عملية اجلاء للمدنيين بعد الحرب العالمية الثانية القرن الماضي، ما أوردته في عطلة نهاية الأسبوع الماضي القناة 12 العبرية عن استعداد كندا لإجلاء 45,000 من مواطنيها من لبنان في حال اندلاع حرب شاملة بين إسرائيل و”حزب الله”. ونقل تقرير القناة 12 ما قال إنه محادثة متوترة جرت يوم الجمعة الماضي بين وزير الخارجية يسرائيل كاتس ونظيرته الكندية ميلاني جولي. وورد أن الأخيرة أخبرت كاتس أن أوتاوا أرسلت بالفعل قوات عسكرية إلى المنطقة استعدادا “لأكبر عملية إجلاء قمنا بها على الإطلاق”، وسط مخاوف من تصاعد العنف بين إسرائيل و”حزب الله” على طول الحدود مع لبنان.
ما يهم الإشارة اليه انه مقابل 45 الف مواطن كندي تعتزم بلادهم اجلاءهم عن لبنان ، ليس هناك أي مواطن يحمل جواز سفر باسم دولة الفاتيكان تريد الحاضرة الرسولية ان ترحله عن هذا البلد. بل ان هناك الملايين من اللبنانيين الذين يريد الفاتيكان حماية وجودهم في بلاد الأرز الممتدة من الحدود الجنوبية الى سائر حدود لبنان الكبير.
ما يزيد الظروف تعقيدا ان زيارة الكاردينال بارولين تأتي بعد أيام قليلة من نشوب ازمة التهديدات التي اطلقها “حزب الله” ضد قبرص . واخطر ما في هذه الازمة انها وضعت لبنان وجها لوجه مع الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر الجزيرة المتوسطية التي تقع على بعد نحو 200 كيلومترا من شواطئنا هي حدوده في منتصف المسافة بين غربي البحر المتوسط وشرقه. وما ورد في تقرير صحيفة النيويورك تايمز حول هذه الازمة يشير الى ان هناك دفع بوقود شديدة الاشتعال الى حريق لبنان الذي بدأ منذ نحو 9 اشهر على الحدود الجنوبية. وردا على سؤال “ما هي العلاقة بين قبرص وإسرائيل”؟ كتبت الصحيفة الأميركية تقول: “ترتبط قبرص وإسرائيل بعلاقات اقتصادية وسياسية واستراتيجية. وأجرى جيشا البلدين تدريبات مشتركة وتبادلا الزيارات، ولدى البلدين برنامج تعاون دفاعي، وفقا لوزارة الدفاع القبرصية. وفي الوقت نفسه ، تتمتع قبرص بعلاقات مماثلة مع العديد من الدول الأخرى ، بما في ذلك بريطانيا ومصر وفرنسا ، ولا سيما لبنان. لدى قبرص أيضا “ملحق دفاعي” في إسرائيل – وفي حوالي عشرين دولة أخرى – كجزء مما تسميه “دبلوماسية الدفاع النشطة”. وهناك اتفاق تعاون إضافي بين قبرص واليونان وإسرائيل، تقول قبرص إنه يهدف إلى “تعزيز السلام والاستقرار والأمن في شرق البحر المتوسط”.
ما فعله “حزب الله” في الأيام الأخيرة هو توسيع رقعة النزاع الذي زج “الحزب” لبنان فيه منذ 8 تشرين الأول الماضي ولا يزال. وفي المقابل، يشارك المسؤول الارفع في الفاتيكان غدا في لقاء ديني وطني موسّع دعا اليه البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي في بكركي. وسيضم اللقاء مفتي لبنان الشيخ عبد اللطيف دريان ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز سامي أبي المنى ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدور. وفي هذا اللقاء الذي يمثل ارفع مستوى لقاء روحي لبناني منذ زمن بعيد ، ستلوح بارقة امل في امكان جمع اللبنانيين ، كما سيحصل تحت عباءة الفاتيكان بعدما تعذر الامر ولا يزال الوصول اليه سياسيا في البرلمان.
قبل وصوله امس الى لبنان كانت لبارولين مواقف من تطورات لبنان. فخلال مشاركته في لقاء عُقد الأربعاء الماضي في مقر مجلس الشيوخ الإيطالي لم يخفِ كبير مسؤولي الفاتيكان قلق الكرسي الرسولي حيال إمكانية اتساع رقعة النزاع الدائر في الشرق الأوسط، لاسيما في ظل التهديدات الإسرائيلية بشن هجوم ضد لبنان. وأوضح الكاردينال بارولين أن زيارته لبلاد الأرز كانت مرتقبة وليست مرتبطة بالوضع السياسي الراهن لكن ستحمل أيضا بعداً دبلوماسيا. وعبر عن أمله بأن “تنبت بذور السلام وتأتي بالثمار المرجوة”.
كما صرح بارولين لدى وصوله : “جئنا إلى لبنان في مبادرة للقيام بكل ما يلزم لمساعدته ونقول لكم “صلوا لنا”.
عندما وصف البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لبنان بانه “رسالة” كان يعني ان أهمية هذا البلد لا تنطلق من واقعه الجغرافي. وها هو امين سر دولة الفاتيكان يؤكد هذه الأهمية كي يقول للعالم بما معناه ان استباحة هذا البلد جغرافيا لن يفلح معنويا على المستوى الرسولي. ومن يدقق اكثر في المشهد يدرك ان بارولين هو الرسول الأخير الذي سيقول للعالم ان الفاتيكان لن يترك لبنان يذهب وقودا في لعبة الأمم.