بين العشائرية والحزبية: ديمقراطية القيم أم ديكتاتورية الشعارات؟

بقلم: راشد صبري حمادة
في زمنٍ تتزاحم فيه الأحزاب وتتوالد فيه الحركات والتيارات السياسية، يُعاد طرح السؤال القديم الجديد: أيّهما أصدق تمثيلاً للناس وأقرب إلى حاجاتهم ومشاعرهم، العشائرية أم الحزبية؟
قد يراها البعض مقارنة غير متكافئة، ولكن نظرة فاحصة إلى الواقع اللبناني والعربي، تفرض مراجعة عميقة لكل المفاهيم التي تم الترويج لها على أنها تقدم، فيما هي في حقيقتها كانت انحداراً مقنّعًا.
العشائرية: انتماء يقوم على القربى والقيم
العشائرية ليست حزباً ولا مؤسسة منظمة، بل هي بنية اجتماعية متجذّرة في التاريخ والثقافة، تستند إلى أركان القربى والاحترام والمحبة، وتُمارس قيادتها بطريقة تلقائية تُبنى على المبايعة، لا على صناديق مشكوك بنزاهتها أو صفقات تحت الطاولة.
في العشيرة، القيادة تكليف نابع من ثقة الناس لا من شعارات مصنوعة، والانتماء هو التزام أخلاقي عفوي، لا عقد إذعان لإرادة مركزية.
العشائرية لا تفرض على أفرادها عقيدة جامدة، ولا تُخضعهم لفرامات فكرية، بل تمنحهم مساحة للتفكير والنصح والمشورة، وتحكمها منظومة قيم قبل أن تحكمها لوائح تنظيمية.
الحزبية: التزام صارم وانضباط يُقصي الإنسان
في المقابل، تقوم الحزبية على العقيدة والتنظيم، وعلى مبدأ الطاعة لا الاجتهاد.
الحزب القوي هو ذاك الذي يحكم قبضته على أفراده، ويُسقط عنهم حق التفكير خارج «النهج»، تمامًا كما تفعل السلطات الديكتاتورية أو الأنظمة الثيوقراطية المتطرفة.
المنتسب للحزب لا يملك حرية القرار، بل هو منفّذ لما يُملى عليه من القيادة، التي كثيرًا ما تتحوّل إلى طبقة فوقية تتصرف بمنطق الإلهام والحق المطلق، غير آبهة برأي القاعدة ولا بمصالح الناس.
في التجربة الحزبية الحديثة، سقطت الأخلاق ضحية الوسيلة، وتحوّل الاحترام إلى انضباط أعمى، وذابت المحبة في بركة المصالح.
فما قيمة الالتزام حين يُستخدم لتبرير الظلم؟ وما قيمة التنظيم حين يُسخّر لتمرير الصفقات، وتجميل الخيانات، وتخدير العقول؟
مفارقة جارحة: القيم عند “المتخلفين” والشعارات عند “المتحضرين”؟
في مفارقة صارخة، نجد أن العشائرية التي وُصمت بالتخلف والرجعية، حافظت على كرامة الإنسان، فيما الأحزاب التي ادّعت التقدّم والتحرر، داست على الكرامة باسم النهج، وسحقت الناس تحت أقدام القادة الملهمين.
لقد تحوّلت بعض الأحزاب إلى مصانع للانتهازية، تُغلف مصالحها بأغلفة فكرية براقة، ثم تسوّقها على أنها التزامٌ عقائدي.
فأيّ التزام هذا الذي لا يُنتِج إلّا الكذب والنفاق؟ وأيّ نهج هذا الذي لا يُثمر إلّا الزبائنية والانقسام والاصطفاف الأعمى؟
إما العشائرية التي تحفظ الكرامة… أو الحزبية التي تدوسها
لقد آن الأوان لكشف الزيف وتسمية الأمور بأسمائها:
العشائرية، رغم عفويتها، كانت وما زالت صمّام أمان أخلاقي في مجتمعاتنا، بينما الحزبية، كما طُبّقت في واقعنا العربي، لم تكن سوى ديكتاتورية جديدة، تختبئ خلف شعارات الحرية والمقاومة والعدالة.
إن الخيار لم يعد بين القديم والجديد، بل بين ما يصون الإنسان وما يهدره.
فإما عشائر تحفظ الكرامة والوفاء والصدق، وإما أحزاب تدوسها باسم العقيدة والتنظيم والزعامة.




