خاص العشائر نيوز

الهلال العشائري

حين يحلّ الهلال العشائري مكان الهلال الشيعي

نحو هندسة جديدة للتوازنات في لبنان وسوريا

في عالم السياسة، لا فراغ طويل الأمد. وما أن تبدأ تركيبةٌ بالتفكك حتى تبدأ أخرى بالتشكّل، غالبًا من حيث لا يتوقع أحد. واليوم، على وقع التحوّلات الإقليمية، واهتزاز مرتكزات ما يُعرف بـ”الهلال الشيعي” الممتد من طهران إلى الضاحية وبغداد ودمشق، تبرز قوة جديدة: الهلال العشائري.

هذا الهلال، غير المعلَن رسميًا بعد، يتكوّن تدريجيًا كقوة اجتماعية وسياسية وازنة، تمتد من الأنبار ودير الزور، مرورًا ببادية الشام وحوران، وصولًا إلى البقاع وطرابلس وعكار والجنوب قوامه ليس السلاح أو العقيدة المذهبية، بل الانتماء الأهلي والروابط القبلية والتاريخية، التي تُستعاد اليوم بوصفها أداة توازن لا تقلّ أهمية عن أي تيار حزبي أو ديني.

من الإنهاك الشيعي إلى لحظة الفراغ

لم تعد القوى الشيعية التي شكّلت طيلة عقدين ركيزة المشروع الإيراني في المشرق العربي قادرة على حفظ نفوذها المتشعب. في العراق، بدأ الحشد الشعبي يتآكل من الداخل. وفي سوريا، تتقدم العشائر العربية شرق الفرات على حساب الميليشيات الموالية لطهران. أما في لبنان، فقد بات حزب الله محاصرًا سياسيًا واقتصاديًا وشعبيًا، وبيئته تتململ تحت وطأة الانهيار.

وبين أفول محور وغياب بديل، بدأ الفراغ يتسع. وهنا، لا تكتفي العشائر بالمراقبة، بل تبدأ بالتحرك على الأرض

الهلال العشائري: خريطة نفوذ جديد

العشائر العربية، بتوزّعها الجغرافي من عكار إلى دير الزور، ومن الأنبار إلى البقاع، تُعيد تقديم نفسها كلاعب تاريخي في لحظة إعادة تشكّل. هذه القوة التي طالما تم تهميشها لصالح أحزاب أيديولوجية وطائفية، عادت اليوم تطرح مشروعها: مشروع الانتماء العروبي، والشرعية الاجتماعية، والارتكاز إلى الأرض والعِرف والكرامة.

ولم يعد الأمر مجرد بيانات متفرقة أو مبادرات فردية، بل تحوّل إلى تنسيق إقليمي فعلي بين قيادات عشائرية من لبنان وسوريا والأردن والعراق والخليج، يجري تنظيمه بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، وبتواصل مباشر وعميق بين الفاعلين الميدانيين في مختلف المناطق.

 

وادي خالد: من الأطراف إلى قلب المشهد

الحدث المفصلي في هذه الدينامية كان المؤتمر العشائري الجامع في وادي خالد شمال لبنان، الذي لم يكن مجرد تجمّع تقليدي، بل علامة فارقة على بدء مرحلة جديدة من العمل العشائري المؤطر والمنظّم.

جمع المؤتمر وفودًا وشخصيات من مختلف المناطق اللبنانية، وشارك فيه وجهاء وممثلون عن العشائر السورية القريبة من الحدود، إضافةً إلى مشاركة أردنية بارزة، حملت بُعدًا رمزيًا واستراتيجيًا مهمًا، إذ أكّدت أن الحاضنة العشائرية العربية في المشرق تتخطى حدود سايكس ـ بيكو، وتستعيد علاقاتها التاريخية العابرة للدول المصطنعة.

لم يكن المؤتمر مجرّد دعوة للظهور، بل طرح مواقف واضحة:
• تأكيد الانتماء العشائري للعروبة كهوية سياسية واجتماعية.
• الدعوة لتوحيد القرار العشائري السنّي في وجه التهميش والتغريب.
• إطلاق مسار تواصلي منسّق بين العشائر العربية في لبنان وسوريا والأردن والعراق والخليج.

إنه ليس تحركًا انعزاليًا، بل تكوين شبكة عشائرية عربية قادرة على التأثير في القرار الوطني والإقليمي.

فرصة عربية… قبل فوات الأوان

هذه التحوّلات تفتح الباب أمام دور عربي مسؤول في دعم مشروع الهلال العشائري بوصفه أداة استقرار لا صراع. فبعكس المشاريع الطائفية التي ولّدت النزاعات، فإن العشائر تملك القدرة على استعادة الأمن المجتمعي، وحماية الحدود، وإعادة بناء الدولة من الأسفل إلى الأعلى.

المطلوب اليوم:
• رعاية النخب العشائرية الواعية في سوريا ولبنان والأردن والعراق.
• دعم مؤسسات تعليمية وتنموية تنتمي للبيئة العشائرية.
• الاستثمار في خطاب وحدوي يجمع العشائر ويؤهلها لتكون شريكًا سياسيًا لا مجرد قوة اجتماعية.

وهنا، تبرز المملكة العربية السعودية ودول الخليج بوصفها الجهة الوحيدة القادرة على احتضان هذا المشروع، بحكم العلاقات التاريخية، والشرعية الدينية، والمصالح المشتركة.

لبنان: الفرصة الأخطر

في لبنان، تتجلى هذه المعركة بشكل أوضح. فمع غياب القيادة السنية، وانكفاء دار الفتوى، واهتراء الدولة، يصبح للعشائر دور جوهري.
مؤتمر وادي خالد لم يكن نهاية الطريق، بل بدايته.
وما لم تواكبه النخب السياسية، وتلتقطه الدول العربية، فإن فرص الاستنهاض ستضيع، ويُعاد ملء الفراغ من قبل قوى لا تشبه العروبة ولا تحفظ لبنان.

 

الهلال العشائري ليس وهماً. إنه حقيقة قيد التشكل، تقوم على واقع اجتماعي، وتاريخ متجذر، ورغبة حقيقية في النهوض.
وإذا كان مؤتمر وادي خالد هو الصوت الأول، فإن ما بعده يجب أن يكون تكتلاً إقليميًا عربيًا واسعًا، يُعيد التوازن في وجه مشروعات الطائفية والتمزيق، ويمنح العرب فرصتهم الأخيرة لتوحيد القوى من داخلهم لا من الخارج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى