محليات

إنهيار طرابلس “المتصدّعة” ومناشدات لإعادة تأهيلها أسوة بالجنوب!

يُجمع الخبراء والمهندسون على خطورة الواقع العقاريّ في بعض أحياء طرابلس الذي يُؤوي آلاف العائلات الفقيرة والعاجزة عن الاستعانة بالمتخصّصين لفحص مبانيها المهدّدة والآيلة للسقوط. وعلى الرّغم من وضوح الخطر منذ أعوام أمام المعنيين، وسقوط مبنى في منطقة ضهر المغر أخيرًا، لم يتّخذ المسؤولون أيّ إجراء جدّي وجاد لحلّ هذه المعضلة التي تُهدّد الطرابلسيين بالتهجير.

ويُدرك القاصي والدّاني أنّه لا أحد يتناول هذا الملف أو يبحث فيه إلّا بعد وقوع مصيبة، وذلك كما حصل منذ ساعات، حيث شعر المواطنون بأنّ المبنى الذي سبق أنْ وجّهت له البلدية إنذارات إخلاء، قد ازدادت تصدّعاته وتشقّقاته، وأيقنوا أنّه لن يصمد طويلًا قبل أنْ يسقط.

وبعد إخلاء العائلات لمنازلها المتصدّعة (32 شقّة وفقًا للدّفاع المدني) بما تملكه من متاع وأثاث، لم تمضِ سوى دقائق حتّى انهار المبنى أمامهم، تاركًا المباني المُلاصقة له على موعدٍ مع الانهيار الوشيك، ما يلفت إلى خطورة البقاء في تلك الرقعة الجغرافية المتصدّعة “من ألفها إلى يائها”، خصوصًا أنّ جميع المباني في منطقة ضهر المغر الشعبية وغيرها من المناطق كالتبانة والقبّة، تُواجه مشكلة التدهور المستمرّ، فلا يمرّ يوم دون سقوط شرفة أو حجارة منها. ويُمكن القول، إنّ طرابلس القديمة نفسها، لا تُعاني بقدر المباني الباطونية (الخرسانية) الرديئة “التي بُنيت برخص ولكن من دون رقابة على مواد البناء فيها ضمن المناطق المحيطة بالمدينة التاريخية”، وذلك كما يقول أحد الخبراء لـ “لبنان الكبير”.

وعلى الرّغم من مناشدات المواطنين عبر الإعلام للجهات المعنية للتدخل، تبقى الاستجابة الميدانية معدومة، وكانت تقتصر الجهود على دعم بعض الجمعيات الأجنبية. وفي ظلّ حديث الكثير من المتابعين عن أنّ المباني ملكية خاصّة تقع مسؤولية صيانتها على المالك أو القاطنين، لا يُخفي المواطنون على “لبنان الكبير” صعوبة هذه الخطوة، خصوصًا حينما يكون المالك متوفى أو عاجزًا عن إجراء إصلاحات، بالإضافة إلى عجز الكثير من المواطنين عن دفع الإيجارات القديمة والزهيدة أساسًا لدرجة لا تسمح لأحد بشراء حتّى خشبة أو أبسط المواد، ومع ذلك، يُجمع المتابعون على أنّ البقاء في هذه المنازل بات يُشبه “الانتحار” وأنّ الإقامة في الخيام أسلم بكثير خصوصًا في هذا الطقس العاصف والبارد.

وباختصار، تتفاقم هذه المشكلة بسبب عجز الدّولة والمواطنين عن تأمين بديل مؤقت أو دائم لإيواء المتضرّرين بعيدًا عن منازلهم المهترئة والتي تداعت بسبب عوامل عدّة: كتقادم الزمن، الحروب المتكرّرة، وتأثير المياه والرطوبة التي أضعفت دعاماتها وأدّت إلى تآكلها. وقد دفع هذا الوضع “المهترئ” أبناء الكثير من المناطق المجاورة لضهر المغر، كمنطقة البحصة، إلى النزوح، تحسبًا لانعكاسات سقوط المبنى أوّلًا، وسوء الأحوال الجوّية ثانيًا، بالإضافة إلى معاناتهم المستمرّة منذ أعوام بسبب غياب تنظيم الصرف الصحي في هذه المناطق تحديدًا، وذلك حسب ما يقول المواطنون الذين أكّدوا أنّ مئات العائلات المتضرّرة والخائفة من الانهيار تحتاج إلى مهندسين للكشف على منازلهم التي لم يجرؤوا على المبيت فيها أمس.

ولإيواء العائلات المتضرّرة من الانهيار، تواصلت البلدية مع مدير المعهد الفندقي في الميناء لفتح المعهد واستقبالها. كما نسّق رئيس البلدية عبد الحميد كريمة مع المنظمات الدّولية والصليب الأحمر لتأمين المستلزمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء، فرش نوم، والمواد الغذائية بالتعاون مع برنامج الغذاء العالمي (WFP). كما تمّ التواصل مع “الهيئة العليا للإغاثة” والعميد بسام نابلسي الذي أفاد بأنّه سيتواصل مع رئيس الحكومة نوّاف سلام، “وبناء على ذلك، سيتمّ تأمين بدل إيواء مؤقت للعائلات التي نزحت من المباني المتضرّرة”.

وفي المقابل، يرى المتخصّصون أنّ عملية الانهيار لم تكن صادمة أو جديدة، بل هي نتيجة “طبيعية” لإهمال المدينة ولملف إدارة الأبنية المهدّدة بالانهيار فيها، وهذا ما أكّده رئيس شبكة سلامة المباني المهندس يوسف فوزي عزام، مذكّرًا بدراسة أُجريت العام 2013 وأكّدت وجود أكثر من 1550 مبنى مهدّد في المدينة وحدها، فيما أكّد رئيس البلدية بعد مسحٍ ميدانيّ، وجود ما بيْن 600 و1000 مبنى مهدّد بالانهيار في طرابلس.

هذه الأرقام تدقّ ناقوس الخطر فعليًا، ودفعت النّائب إيهاب مطر إلى عدم الاستنكار فحسب، بل إلى إعلان توجّهه إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام لمطالبته بتخصيص موازنة خاصّة لدعم المباني الآيلة للسقوط في طرابلس، كالتي خُصّصت لإعادة إعمار الجنوب، وقد طالب الرّئيس كريمة (الذي يعترف بعجز موازنة البلدية ماليًا أمام تكلفة الترميم الباهظة)، الحكومة بطلب مطر عيْنه، وبوضع ميزانية واضحة لترميم الأبنية المتصدّعة والمهملة منذ أكثر من 40 عامًا، تمامًا كما خصّصت 250 مليون دولار للأهالي المتضرّرين من الحرب في الجنوب. وقد أشار سكان المبنى إلى هذه النقطة تحديدًا عبر “لبنان الكبير”، حيث يقول أحدهم: “ليفتحوا لنا البيوت والفنادق كما فتحوها للجنوبيين، ليشعر بنا نوّاب الشمال الذين شاركوا بجلسة مجلس النوّاب وأقرّوا إعادة ترميم الجنوب ولم يهزوا أكتافهم لمصلحة مشروعٍ شماليّ واحد للأسف”، بينما تقول سيّدة عجوز: “الحكومة الحالية والمتعاقبة تُراقب انهيارنا شيئًا فشيئًا، ولا تقرّ شيئًا يصبّ في مصلحتنا، لا سامحها الله على إهمالها لنا، لقد أرسلونا اليوم إلى المعهد، ولكن إلى أين سنذهب بعده ونحن بهذا الفقر والعوز ومعنا الأطفال والنّساء؟”.

المصدر: لبنان الكبير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى