متفرقات

سبب غريب.. لماذا يضع العلماء مكبرات صوت تحت الماء؟

في محاولة غير مألوفة لإنقاذ واحدة من أكثر النظم البيئية هشاشة على كوكب الأرض، لجأ العلماء إلى وسيلة تبدو أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى الأبحاث التقليدية، وهي تثبيت مكبرات صوت تحت الماء وبث أصوات الشعاب المرجانية السليمة في أعماق البحر. وقد تبدو الفكرة غريبة للوهلة الأولى، لكنها تستند إلى أدلة علمية تشير إلى أن الأصوات الطبيعية قد تساعد في جذب الأسماك ويرقات المرجان، وتسريع تعافي الشعاب التي دمرها تغير المناخ وارتفاع حرارة المحيطات. فكيف يمكن للصوت أن يمنح الشعاب المرجانية فرصة جديدة للحياة؟
وراقب العلماء هذه الكارثة البيئية بقلق، وهم يشاهدون الشعاب المرجانية تفقد الطحالب الدقيقة التي تعيش داخل أنسجتها وتمنحها اللون والغذاء والطاقة. وخلال أسابيع قليلة فقط، اختفت الحياة التي كانت تعج بها هذه الشعاب، وتحولت من موائل بحرية نابضة بالأسماك والكائنات البحرية إلى بيئات شبه خالية من الحركة.
ورغم حجم الدمار، لم يستسلم الباحثون. وبدلاً من الاكتفاء بمراقبة تدهور الشعاب، بدأوا تجربة غير مألوفة تعتمد على مكبرات صوت تُثبت تحت الماء لبث تسجيلات صوتية لشعاب مرجانية سليمة، في محاولة لجذب الحياة البحرية وإعادة تنشيط النظام البيئي من جديد.

أصوات تحاكي الشعاب السليمة
تعتمد الفكرة على حقيقة أن الشعاب المرجانية الصحية ليست أماكن صامتة، بل تمتلئ بأصوات الأسماك والقشريات والكائنات البحرية الأخرى، التي تُشكل معاً مشهداً صوتياً مميزاً يشير إلى أن البيئة آمنة وغنية بالحياة.
ولهذا يسجل الباحثون هذه الأصوات في شعاب مرجانية سليمة، ثم يعيدون تشغيلها عبر مكبرات صوت مقاومة للماء توضع داخل الشعاب المتضررة. ويأمل العلماء أن تخدع هذه الأصوات الأسماك ويرقات المرجان، فتدفعها إلى الاستقرار في المناطق المتضررة، ما يساعد على تسريع عملية التعافي الطبيعي.

نتائج علمية مشجعة
أظهرت عدة دراسات أن هذه التقنية تحقق نتائج واعدة.
ففي دراسة نُشرت في مجلة Nature وأُجريت على أجزاء من الحاجز المرجاني العظيم في أستراليا، لاحظ الباحثون أن الشعاب التي كانت تبث أصواتاً تحاكي الشعاب السليمة جذبت أعداداً أكبر من الأسماك الصغيرة مقارنة بالشعاب الصامتة.
ولا تقتصر الفائدة على الأسماك فقط، إذ تشير أبحاث أخرى إلى أن بعض أنواع يرقات المرجان تستجيب أيضاً لهذه الإشارات الصوتية، ما يزيد فرص استقرارها وبدء بناء مستعمرات مرجانية جديدة.

 

ماذا عن يرقات المرجان؟
وفي دراسة أخرى أجرتها مؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات في جزر فيرجن الأمريكية، وضع الباحثون يرقات المرجان داخل أكواب خاصة فوق الشعاب المرجانية، بينما بثوا أصوات شعاب سليمة باستخدام مكبرات صوت تحت الماء.
وأظهرت النتائج أن يرقات المرجان الكروية كانت أكثر ميلاً للاستقرار في المناطق التي تسمع فيها هذه الأصوات، لكن التأثير كان محدوداً بالمرحلة الأولى فقط من دورة حياتها. ومع نمو اليرقات، أصبحت أقل استجابة للمؤثرات الصوتية، ما يشير إلى أن توقيت استخدام هذه التقنية قد يكون عاملاً حاسماً في نجاحها.
ويرى الباحثون أن فهم الأنواع الأكثر استجابة للصوت، وتحديد الفترات الزمنية المناسبة لاستخدام هذه الوسيلة، قد يجعلها أكثر فعالية مستقبلاً.
ليست حلاً سحرياً
ورغم النتائج المشجعة، يؤكد العلماء أن مكبرات الصوت وحدها لن تكون كافية لإنقاذ الشعاب المرجانية من آثار التغير المناخي.
فارتفاع درجات حرارة البحار سيظل التهديد الأكبر، ولن تتمكن أي تقنية صوتية من تعويض الخسائر إذا استمرت موجات الحر البحرية وعمليات ابيضاض المرجان الجماعي ، ولهذا يعمل الباحثون في جامايكا بالتوازي على استراتيجيات أخرى، أبرزها زراعة أجزاء من المرجان داخل المختبرات، ثم نقلها لاحقاً إلى الشعاب المتضررة لتعزيز فرص إعادة بنائها.

شعاب اصطناعية ومنحوتات فنية
وتخطط الفرق العلمية لزراعة شظايا المرجان التي تُنمى في المختبر فوق شعاب اصطناعية صُممت حول منحوتات للفنان الإيطالي ماركو باروتي، في مشروع يجمع بين الفن والعلوم البيئية.
ويؤكد باروتي أن الصوت كان دائماً محور أعماله الفنية، لكنه يرى أن توظيفه هذه المرة قد يمنح الطبيعة فرصة جديدة للتعافي ، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي هذا المزيج من الأصوات الاصطناعية، والمنحوتات، وزراعة المرجان لإحياء الشعاب التي فقدت حياتها؟

الطبيعة لا تزال تقاوم
ورغم الخسائر الكبيرة التي ألحقها تغير المناخ بالشعاب المرجانية، يرى العلماء أن الطبيعة لا تزال تمتلك قدرة مدهشة على التعافي إذا حصلت على الدعم المناسب.
وتشير دراسات أخرى اعتمدت على صور الأقمار الصناعية إلى أن بعض الغابات المتضررة استعادت جزءاً كبيراً من غطائها النباتي بمجرد تركها تتجدد طبيعياً دون تدخل بشري ، لكن الشعاب المرجانية أكثر هشاشة وتعقيداً، ولذلك تحتاج إلى تدخلات علمية مدروسة تمنحها فرصة للعودة إلى الحياة.

المصدر: البيان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى