البقاع الشمالي يلفظ أنفاسه المائية… هل ينهار أكبر خزان جوفي في لبنان؟

“النهار”
لا يقتصر جفاف الآبار الارتوازية في سهل القاع الحدودية، على كونه أزمة عابرة أو مجرد شكوى موسمية لمزارعين يائسين، بل هو مؤشر علمي خطير يشي بانهيار وشيك لأكبر خزان للمياه الجوفية في لبنان.
تراجيديا زراعية وبيئية
في هذه البقعة التي لطالما اعتُبرت إحدى أهم السلال الغذائية للبنان، تبرز اليوم تراجيديا زراعية وبيئية تضع الأمن الغذائي اللبناني أمام اختبار صعب.
وللوقوف على أبعاد هذه الكارثة، تستند هذه القراءة إلى الرؤية العلمية والتحذيرات الصارمة التي قدّمها لـ “النهار” أستاذ علوم التربة والنبات ومنسّق ماستر التنوّع الحيوي في الجامعة اللبنانية ورئيس الحركة البيئية في لبنان البروفيسور حسان مخلوف، في مقاربة تخرج من دائرة التكهنات إلى فضاء القياس العلمي والبيانات الواقعية.
تبدأ المعضلة بمفارقة تبدو محيرة للعامة: لماذا تعاني الآبار من الجفاف رغم أن شتاء (2025-2026) شهد معدّلات أمطار جيدة؟
سجلت بلدة القاع تفاوتاً مناخياً حاداً بين الموسمين المطريين الأخيرين، فوفقاً لمصلحة الأبحاث العلمية الزراعية (LARI)، شهد موسم (2024-2025) جفافاً قاسياً لم يتعدَّ 85 ملم، وهو ما يقل عن نصف المعدل السنوي العام البالغ 180 ملم.
في المقابل، قفزت المتساقطات في موسم (2025-2026) إلى وفرة استثنائية بلغت 257 ملم، لتعوّض شح العام الماضي وتتجاوز المعدل العام بنسبة ممتازة عززت المياه الجوفية والقطاع الزراعي في المنطقة.
هنا، يفكّك مخلوف هذا اللغز موضحاً أن تغذية الخزانات الجوفية ليست عملية حسابية بسيطة تعتمد على كمية المطر، بل هي رهينة “شكل الهطول” وطبيعته.
وفي هذا السياق، يشير إلى أن التغذية الأساسية والمستدامة للمياه الجوفية في البقاع تعتمد بالدرجة الأولى على تراكم الثلوج فوق السلاسل الجبلية، ثم ذوبانها التدريجي والبطيء خلال فصل الربيع؛ وهي عملية تسمح للمياه بالتسرّب عميقاً إلى باطن الأرض عبر الشقوق والتكوينات الكلسية.
في المقابل، يوضح مخلوف أن الأمطار الغزيرة التي تهطل في فترات قصيرة تتحول سريعاً إلى سيول جارفة وجريان سطحي يغادر المنطقة دون أن يجد طريقاً للتسرّب، ما يعني أن غياب الغطاء الثلجي الكثيف حرم الخزان الجوفي من “وجبته المفضّلة” لإعادة الشحن الطبيعي، رغم مقبولية الأمطار.
وإلى جانب تقلبات المناخ، تبرز مفارقة أخرى تتعلق بالاستغلال البشري، حيث تحوّل “الإنجاز الأخضر” إلى أداة استنزاف، فبعد الأزمة الاقتصادية عام 2019 وارتفاع أسعار المحروقات، اندفع مزارعو القاع ومشاريعها نحو الطاقة الشمسية كبديل نظيف وموفر، لكن غياب التخطيط العلمي حوّل هذا البديل إلى كارثة غير مقصودة، إذ يوضح مخلوف أن ذروة إنتاج الكهرباء نهاراً تتزامن مع أشد ساعات النهار حرارة، ما جعل غالبية عمليات الري تتم في توقيتات كارثية تؤدي إلى تبخر ما يقارب نصف المياه المستخرجة قبل أن تلامس جذور النباتات.
ويلفت إلى أننا هنا أمام معادلة عبثية، نستنزف مورداً استراتيجياً لنهدر نصفه في الهواء بسبب توقيت غير مناسب للريّ كان يمكن تفاديه بسهولة عبر إنشاء برك تجميعية تخزّن المياه نهاراً لتُستخدم ليلاً أو عند الفجر حيث تنعدم معدلات التبخر.
يتفاقم هذا الوضع في ظلّ فوضى عارمة وغياب تام للرقابة الرسمية، حيث تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 3000 بئر ارتوازية في منطقة القاع تضخ يومياً ملايين الأمتار المكعّبة دون أي نظام علمي يحدّد “السحب الآمن”.
وهنا، يشبّه مخلوف الخزان الجوفي بالحساب المصرفي موضحاً أن المياه الجوفية ثروة وطنية وليست مورداً لا ينضب، وإن كان السحب اليومي من هذا الحساب يتجاوز حجم الإيداعات الطبيعية، فإن الإفلاس الحتمي واقع لا محالة.
هذا الاستنزاف الجائر يرافقه وفقاً لمخلوف إصرار على سياسة زراعية تفتقر إلى المرونة، إذ تقع القاع بيئياً على حافة التصحّر، ومع ذلك لا تزال الزراعات تتركز على محاصيل تستهلك كميات ضخمة من المياه كالمشمش والبطيخ والبطاطا، حيث يدعو مخلوف في هذا الصدد إلى إعادة النظر في مساحاتها، والتكيّف مع الواقع المائي الجديد عبر تنويع المحاصيل وتطوير تقنيات الريّ بالتنقيط وصيانة الشبكات لتقليل الهدر.
إن تبعات هذا التدهور لا تتوقف عند حدود الحقل، بل تضرب في عمق الاستقرار المجتمعي، فتراجع الإنتاج في هذه السلة الغذائية يعني حكماً ارتفاعاً حاداً في أسعار الغذاء للمستهلك اللبناني، وتدهور الدخل المعيشي لآلاف العائلات الريفية، ما يسرّع وتيرة الهجرة القسرية من الريف نحو المدن المكتظة، ليتحوّل العطش من أزمة بيئية إلى قنبلة اجتماعية واقتصادية موقوتة.
الإنقاذ لم يعد ترفاً، بل ضرورة ملحّة تتطلب انتقالاً فورياً من عقلية ردود الفعل وإدارة الأزمات إلى التخطيط الوقائي الطويل الأمد.
تبدأ المواجهة، بحسب رؤية مخلوف، بتحمّل الدولة لمسؤوليتها عبر إنشاء برنامج وطني دائم لمراقبة الأحواض الجوفية بناءً على بيانات علمية دقيقة، وتنظيم حفر الآبار، وحماية القمم الجبلية بيئياً لضمان استمرار تسرّب الثلوج. وبالتوازي، يبرز دور المزارع كشريك أساسي من خلال الالتزام بالريّ الليلي وتحديث تقنياته، مع تشديده على ضرورة إشراك الجامعات والكفاءات العلمية اللبنانية لتكون بوصلة لصناعة القرار.
إن هذا الخطر البيئي لا يقتصر على رقعة محددة، بل يتهدد محافظة بعلبك الهرمل بكامل مساحاتها الزراعية ومواردها المائية، ومستقبل زراعتنا، واستقرار مجتمعاتنا الريفية في هذه المحافظة، وصمود اقتصادنا كلها رهينة بكيفية إدارتنا لقطرة الماء اليوم. الخيار أمامنا واضح كما يختم مخلوف: إما التكيّف العلمي السريع في عموم المنطقة، أو مواجهة عطش شامل لن يرحم أحداً.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد، لأن كل قطرة ماء نحافظ عليها اليوم هي ضمانة لمستقبل القاع وبعلبك، وبالتالي لمستقبل لبنان.




