متفرقات

أخطر من المنطقة العازلة… تحقيق إسرائيلي يكشف مشروع الاستيطان في جنوب لبنان

ترجمة “ليبانون ديبايت”

لم تعد فكرة الاستيطان الإسرائيلي في جنوب لبنان مجرد خطاب عقائدي يردده حاخامات أو ناشطون متطرفون على هامش المشهد السياسي في إسرائيل. ما تكشفه تحركات مجموعات يمينية خلال الأشهر الماضية يشير إلى محاولة منظمة لنقل نموذج البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية إلى الأراضي اللبنانية، عبر البدء برحلات وعمليات عبور للحدود، ثم إقامة حضور مدني متكرر، تمهيداً لتحويله لاحقاً إلى واقع يصعب التراجع عنه.

وفي صلب هذا المشروع، تبرز حركة إسرائيلية تحمل اسم «استيقظي يا شمال»، يقودها البروفسور عاموس عزاريا، أستاذ علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في جامعة أريئيل، إلى جانب حركة شقيقة تنشط داخل الأراضي السورية تحت اسم «رواد الباشان».

وبحسب تحقيق نشره موقع ynet الإسرائيلي، لا تخفي «استيقظي يا شمال» هدفها المتعلق بلبنان. فالحركة تطالب بالسيطرة على شريط يبلغ عمقه نحو 30 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، يمتد إلى ما بعد نهر الليطاني، فيما يرفع بعض ناشطيها سقف المشروع إلى الوصول نحو نهر الزهراني.

وتقوم الفكرة على اعتبار أن المنطقة الممتدة من الحدود الحالية حتى الليطاني تشكل «حزاماً أمنياً» لا يمكن الاكتفاء بالسيطرة العسكرية عليه، بل يجب، وفق طروحات الحركة، إخضاعه للاستيطان المدني اليهودي لضمان بقائه تحت السيطرة الإسرائيلية.

ويعتبر ناشطو الحركة أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 أدى إلى تعاظم قوة «حزب الله»، وأن الحل لا يكون بعمليات عسكرية موقتة أو بإقامة منطقة عازلة، بل بإنشاء مستوطنات دائمة تحول دون عودة السكان اللبنانيين إلى البلدات الحدودية.

وبدأت الحركة نشاطها العلني من خلال تظاهرة شارك فيها نحو 80 إسرائيلياً، انطلقت من منطقة قريبة من حيفا باتجاه الحدود اللبنانية، ورفعت شعارات تدعو إلى احتلال لبنان والاستيطان فيه.

ولم يبقَ التحرك محصوراً بالتظاهرات. فقد عمد ناشطو الحركة إلى إطلاق منشورات مكتوبة باللغتين العربية والعبرية باتجاه القرى الجنوبية، مستخدمين بالونات الهيليوم وطائرات مسيّرة، وتضمنت المنشورات دعوات إلى السكان لإخلاء بلداتهم.

وكان الهدف من هذه الخطوة، وفق ما يظهر من تحركات الحركة، تقديم نفسها بوصفها جهة تستعد عملياً للدخول إلى المنطقة، لا مجرد مجموعة تطرح أفكاراً نظرية داخل إسرائيل.

وفي تشرين الأول 2024، انتقل المشروع إلى مرحلة أكثر خطورة، عندما عبرت مجموعة تضم نحو 6 أو 7 عائلات إسرائيلية الحدود باتجاه جنوب لبنان، ووصلت إلى منطقة قريبة من بلدة مارون الراس.

وحملت العائلات معها خياماً ومعدات للمبيت، وغرس أفرادها أشجار أرز وأقاموا زاوية تذكارية، قبل أن يعلنوا تأسيس بؤرة استيطانية أطلقوا عليها اسم «مي مروم».

ولم يكن الجيش الإسرائيلي، بحسب التحقيق، على علم مسبق بوصولهم، وفوجئت القوة العسكرية الموجودة في المنطقة بوجود عائلات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، قبل أن يجري إخلاؤها.

ووصف الجيش الإسرائيلي الحادثة في حينه بأنها خطيرة، معتبراً أن دخول المدنيين إلى منطقة عمليات عسكرية يعرض حياتهم وحياة الجنود للخطر، ويؤثر في قدرة القوات على تنفيذ مهماتها.

لكن عملية مارون الراس لم تكن حادثاً منفصلاً. فقد عبرت مجموعة من الناشطات الإسرائيليات الحدود في مناسبة أخرى، ووصلن إلى نهر الحاصباني داخل الأراضي اللبنانية، حيث دخلن إلى المياه قبل أن تصل قوة عسكرية وتعيدهن إلى الجانب الإسرائيلي.

وكانت أصغر المشاركات طفلة لا يتجاوز عمرها 9 سنوات، ما أثار انتقادات داخل المؤسسة العسكرية، التي رأت أن الحركة تستخدم العائلات والأطفال لتحويل عمليات التسلل إلى مشهد مدني يبدو أقل خطورة من عبور مجموعات مسلحة.

وبالنسبة إلى عزاريا، لا تشكل عمليات العبور هدفاً نهائياً، بل مرحلة أولى من خطة تستند إلى الخبرة الاستيطانية في الضفة الغربية.

وتقوم الخطة على إدخال المدنيين إلى الأراضي اللبنانية بصورة متكررة، وتنظيم رحلات ونشاطات زراعية وسياحية، وإقامة خيام ونقاط رمزية، إلى أن يعتاد الجيش الإسرائيلي والرأي العام وجودهم هناك.

وبعد تثبيت هذا الوجود، يتحول النقاش تدريجياً من سؤال: «لماذا دخلوا لبنان؟» إلى سؤال: «هل يُسمح لهم بالبناء؟»، وهو التحول نفسه الذي شهدته عشرات البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية قبل الاعتراف بها رسمياً أو وصلها بالبنى التحتية.

ويشرح عزاريا هذه الاستراتيجية بوضوح، قائلاً إن النجاح يتحقق عندما لا يعود الصراع على إخراج المستوطنين من الأرض، بل على منعهم من إقامة المباني فوقها.

ولا تنطلق الحركة من فراغ سياسي. إذ يقول عزاريا إن مشروعه يحظى بدعم 23 وزيراً وعضواً في الكنيست، غالبيتهم من حزب «الليكود»، إضافة إلى شخصيات من «القوة اليهودية» و«الصهيونية الدينية».

وتضم لائحة الأسماء وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير، وشلومو كرعي، ويتسحاق فاسرلوف، وعيديت سيلمان، وعميحاي إلياهو، ويوآف كيش، إضافة إلى عدد من أعضاء الكنيست المعروفين بمواقفهم الداعمة للاستيطان.

وخلال احتفال أُقيم في الكنيست، منحت الحركتان شهادات تقدير موقعة من بن غفير، فيما التقى وزير الاتصالات شلومو كرعي ناشطين في المشروع، وبحث معهم توسيع التغطية الخلوية في المناطق التي يطمحون إلى الاستيطان فيها مستقبلاً.

ويستند المشروع أيضاً إلى دعم ديني من حاخامات في التيار القومي المتشدد، يمنحون الحركة غطاءً عقائدياً من خلال الحديث عن «أرض إسرائيل الموعودة» وربط مناطق لبنانية، من بينها صور وصيدا وحاصبيا، بروايات دينية وتاريخية يهودية.

وتنظم حركة «استيقظي يا شمال» لقاءات شهرية عبر الإنترنت تحمل عنوان «لبنان في الصالون»، تتناول خلالها ما تصفه بتاريخ الوجود اليهودي في مناطق لبنانية مختلفة، في محاولة لبناء رواية تمهّد للمطالبة بالأرض.

ولا يخفي بعض داعمي المشروع طابعه التهجيري. فقد قال موشيه فيغلين خلال أحد المؤتمرات إن السيادة تتحقق من خلال «الاحتلال والتهجير والاستيطان»، قبل أن يستبدل كلمة التهجير بعبارة «إعادة التموضع».

أما الناشط اليميني باروخ مارزل، فذهب أبعد من ذلك، معلناً أن «لبنان كله لنا»، وداعياً إلى إخراج السكان قبل البدء بالاستيطان.

ورغم الحجم المحدود للحركة، فإن خطورتها لا تُقاس بعدد أعضائها الحاليين. فتجربة الاستيطان الإسرائيلي تثبت أن مجموعات صغيرة ومنظمة تستطيع، مع الوقت والدعم السياسي، فرض أمر واقع ميداني، قبل أن تجد الدولة نفسها مضطرة إلى حمايته وتوفير الطرق والكهرباء والمياه له.

وهذا تحديداً ما يقلق ضباطاً في الجيش الإسرائيلي، يعتبرون أن الناشطين يحاولون جر المؤسسة العسكرية إلى حماية مشروع لم تتخذ الحكومة قراراً رسمياً بشأنه.

فكل دخول لعائلات أو أطفال إلى جنوب لبنان يفرض على الجيش إرسال قوة لإعادتهم، ويستنزف الجنود ووسائل الاستطلاع، ويضاعف احتمال وقوع حادث أمني أو عملية خطف.

كما تخشى المؤسسة العسكرية أن تقدم هذه التحركات مادة سياسية وإعلامية لـ«حزب الله»، الذي يستطيع استخدامها لإثبات أن إسرائيل لا تسعى فقط إلى إبعاد مقاتليه عن الحدود، بل تطمح إلى احتلال الأرض اللبنانية وإقامة مستوطنات عليها.

وتقول الباحثة إليزابيث تسوركوف إن هذه التحركات تخدم رواية «حزب الله» بصورة مثالية، لأنها تمنحه دليلاً ملموساً يستخدمه للدفاع عن سلاحه أمام اللبنانيين.

فالحزب يستطيع القول إن ما يجري قرب مارون الراس والحاصباني يثبت أن الخطر الإسرائيلي ليس افتراضياً، وإن غياب المقاومة سيتيح للمستوطنين الدخول إلى القرى الجنوبية وتثبيت وجودهم فيها.

ولا يقف الضرر عند حدود الدعاية. فكل ظهور لناشط إسرائيلي يحمل خيمة أو يغرس شجرة داخل لبنان يضعف أي خطاب إسرائيلي يدّعي أن العمليات العسكرية تقتصر على الأهداف الأمنية، ويعزز المخاوف اللبنانية من وجود مشروع أبعد يتصل بالأرض والحدود والسكان.

حتى الآن، لا تزال «استيقظي يا شمال» حركة محدودة العدد والموارد، ولم يتحول مشروعها إلى سياسة رسمية معلنة. لكن ما يمنحها أهميتها هو تقاطع 3 عناصر: عمليات ميدانية فعلية داخل الأراضي اللبنانية، دعم من شخصيات نافذة في الحكومة والكنيست، ونموذج استيطاني جرى اختباره سابقاً ونجح في فرض نفسه في الضفة الغربية.

ومن هنا، لا تبدو الخيمة التي نُصبت قرب مارون الراس، أو أشجار الأرز التي غرسها ناشطون إسرائيليون، مجرد مشهد دعائي عابر. إنها جزء من محاولة لاختبار الحدود وردود الفعل، وقياس مدى إمكانية الانتقال من التسلل المؤقت إلى الحضور الدائم.

فالمشروع يبدأ بعائلة تعبر الحدود، وبطفلة تدخل مياه الحاصباني، وبمنشور يسقط فوق قرية جنوبية، لكنه يحمل في خلفيته خريطة تمتد من مارون الراس إلى ما بعد الليطاني، وصولاً إلى الزهراني.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى