العفو عن “المبعدين إلى إسرائيل”: عودة حُكمية تسبق المراسيم؟

فرح منصور- “المدن”
عاد إلى الواجهة السياسية ملف “المبعدين إلى إسرائيل” بعد التحرير في أيار العام 2000. إذ شكل هذا الملف مادة سياسية خلافية طوال السنين الماضية، نظرًا للانقسام حول مصير هؤلاء، الذين يعتبرهم البعض “مبعدين قسرًا”، والبعض الآخر “عملاء”.
لكنّ أبرز ما حمله قانون العفو العام الذي أقرّه مجلس النواب يوم أمس الأربعاء، هو الاستثناء الصريح الوارد في المادة الثانية منه. ففي حين استثنى القانون جرائم الخيانة والتجسس والصلات غير المشروعة بالعدو، أحدث تحولًا قانونيًا حاسمًا لصالح الفئة غير المتورطة أمنيًا وعسكريًا، عبر ربط عفوهم الحكمي بالفقرة 2 من المادة الأولى للقانون رقم 194 الصادر عام 2011.
النص القانوني لتسوية “المبعدين”
نصت المادة الثانية من قانون العفو العام في فقرتها الرابعة على الآتي:
“يُستثنى من العفو العام الجرائم التالية سواء صدرت الأحكام أم لم تصدر:
جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصلات غير المشروعة بالعدو بإستثناء المشمولين بالفقرة 2 من المادة الأولى من القانون رقم 194 تاريخ 18/11/2011 الذين يعتبرون مستفيدين حكمًا من قانون العفو العام الحالي.”
أما الفقرة 2 من المادة الأولى للقانون 194 فتنص على:
“أما المواطنون اللبنانيون الآخرون الذين لم ينضووا عسكريًا وأمنيًا، بمن فيهم عائلات المواطنين المذكورين في البند (1) من هذه المادة من زوجات (أو أزواج) وأولاد، الذين لجؤوا الى الأراضي المحتلة على أثر تحرير الشريط الحدودي بتاريخ الخامس والعشرين من شهر أيار 2000 فيُسمح لهم بالعودة الى لبنان، ضمن آليات تطبيقية تحدد بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناءً لاقتراح وزير العدل، وذلك خلال مهلة سنة من تاريخ صدور المراسيم التطبيقية”.
سقوط “جرم الوجود”
وبحسب مصدر نيابي متابع لـ”المدن”، فإن أهمية هذا النص تكمن في كونه أسقط صفة الجرم عن مجرد وجود هذه الفئة داخل الأراضي المحتلة. وبموجب هذا الربط التشريعي، تأكّد عفو هذه الفئة حكمًا، وبات بإمكان هؤلاء العودة متى شاؤوا، بمعزل عن صدور المراسيم التطبيقية أو عدمها. إذ إن وجودهم في الداخل المحتل من دون انخراط في عمل أمني أو عسكري لم يعد يُعدّ جرمًا يُلاحقون عليه بحسب القانون 194 والتشريع الجديد.
وبالتالي، يُسقط القانون الحاجة الإجرائية الفعلية لانتظار المراسيم لإيقاف الملاحقة عن هذه الفئة، فاتحًا الباب العودة القانونية المباشرة.
الأرقام غير الرسمية
بدأت حكاية “المبعدين” فجر الخامس والعشرين من أيار العام 2000، يوم تحرير الجنوب وانسحاب الاحتلال. في تلك اللحظة المفصلية، عبر الحدود باتجاه الأراضي المحتلة ما بين 6,500 و7,000 مواطن لبناني. انقسم هؤلاء بين عناصر وضباط انخرطوا في صفوف ما كان يُسمى “جيش لبنان الجنوبي”، ومجموعة واسعة من المدنيين والعائلات، من نساء وأطفال، اندفعوا بسبب الخوف أو التبعية لقرارات أرباب أسرهم.
وبعد مرور نحو ربع قرن، تشير التقديرات والأرقام غير الرسمية إلى أن عدد المتبقين فعليًا داخل الأراضي المحتلة يتراوح بين 2,000 و3,500 شخص، بعد هجرة الآلاف منهم نحو دول الغرب، إضافة إلى ولادة جيل جديد لم يعرف لبنان إلا عبر الصور.
وفي هذا السياق، يستبعد المصدر النيابي لـ”المدن” إمكان أن يُقدم أحد من هؤلاء المشمولين بالعفو على العودة الفعلية إلى لبنان في الوقت الراهن وفي ظل الظروف الحالية. من هنا، فإن إقرار العفو عنهم ينطوي على هدف معنوي وسياسي أكثر من كونه إجرائيًا أو فعليًا، لكنه يحمل أهمية قانونية جوهرية تتمثل في نزع الصفة الجرمية عن بقائهم هناك.
أزمة المراسيم وإسقاط الجنسية
أقر مجلس النواب القانون رقم 194 عام 2011 ليميز بين المتورطين عسكريًا، الذين أُخضعوا للمحاكمة بموجب الفقرة 1، والمدنيين والعائلات. إلا أن القانون ظلت مفاعيله الإجرائية معلقة لنحو 15 عامًا في أدراج مجلس الوزراء بفعل عدم إصدار “المراسيم التطبيقية”.
وجاء القانون الجديد ليتجاوز هذا الانسداد، محولًا شمولهم بالعفو إلى أمر “حكمي”.
لكن على صعيد الآليات التنظيمية المعقدة، يكشف المصدر لـ”المدن” أن بعض النواب، ومنهم النائبة بولا يعقوبيان، اقترحوا تضمين قانون العفو نصًا صريحًا يفرض إسقاط الجنسية الإسرائيلية عن حامليها من اللبنانيين الراغبين بالعودة. إلا أن النواب فضّلوا ترحيل هذه المادة إلى المراسيم التطبيقية، في حال قررت الحكومة إصدارها لاحقًا، باعتبارها مسألة تقنية وإجرائية وليست شرطًا مانعًا للحق في العفو الذي أقرّه مجلس النواب.
وحسب مصدر قضائي لـ”المدن”، فإن المحكمة العسكرية ستبدأ بفرز كل الأسماء المسجلة لديها، على أن يجرى التقسيم بحسب نوع الجرم الذي كان يلاحق به كل شخصٍ. وبهذه الطريقة تصبح الأرقام رسمية وواضحة لدى العسكرية حول المجموعة التي تواصلت مع إسرائيل بجرم التعامل، وهي التي لا يشملها قانون العفو العام، والمجموعات التي أُدرجت أسماء الأشخاص من ضمنها لدى العسكرية بسبب دخولهم الأراضي المحتلة بعد التحرير عام 2000، وهي الفئة التي يشملها قانون العفو العام.
العقبات والتحديات
يمثل شمل المبعدين المدنيين وعائلاتهم بمفاعيل العفو العام إعادة رسم للحدود الفاصلة بين الجرم الفردي للمتعامل العسكري والوجود القسري للعائلات والأطفال.
ومع أن القانون أسقط الجرم عن وجود هؤلاء في الأراضي المحتلة وأكد عفوهم الحتمي من دون معلقة المراسيم، إلا أن تحول هذا العفو من مكسب معنوي وقانوني إلى عودة فعلية يبقى مرهونًا بالظروف السياسية المعقدة، وبمدى قدرة الحكومة على وضع أطر تقنية تتعامل مع ملفات شائكة مثل ازدواجية الجنسية والتسهيلات اللوجستية عبر المعابر الرسمية.




