المقترح الأوروبي ليس بديلاً عن «اليونيفل»: بعثة مدنية – عسكرية لـ3 سنوات

كتبت صحيفة “الأخبار”: تناقش الحكومة اليوم، في البند الخامس من جدول أعمالها، عرض وزارة الخارجية والمغتربين، إنشاء بعثة أوروبية مدنية – عسكرية في لبنان لمدة ثلاث سنوات، تهدف إلى «المساهمة في التنفيذ الكامل للقرار 1701 الصادر عام 2006، ومساعدة الحكومة على تعزيز مؤسسات الدولة وسلطتها، وتوطيد احتكارها للسلاح، عبر دعم القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي لفرض سيطرتها على كافة الأراضي اللبنانية».
ويعود عرض الوزارة، إلى مذكرة وصلت من بعثة الاتحاد الأوروبي إلى رئيس الحكومة نواف سلام بتاريخ 5 آب الماضي، تضمنت رسالة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية والأمنية كايا كالاس، تؤكّد فيها الاستعداد لإنشاء بعثة أوروبية في لبنان ضمن «إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة للاتحاد الأوروبي» المعروفة باسم (Common Security and Defence Policy CSDP).
في رسالتها، توضّح كالاس أنه وبناءً على نقاشات مجلس الشراكة اللبناني ـ الأوروبي الذي أعلن عن قيامه في 15 كانون الأول 2025، كامتداد لاتفاقية الشراكة الموقّعة في عام 2025، يتقدّم الاتحاد الأوروبي في تحضيراته لإنشاء بعثة أوروبية عسكرية ـ مدنية، فيما توضّح مطالعة وزارة الخارجية اللبنانية حول المذكّرة، بأنه بات من الضروري الحصول على موافقة الحكومة اللبنانية مع اكتمال الاستعدادات الأوروبية.
ومنذ العام الماضي، بدأت دول الاتحاد الأوروبي بـ«تقصّي الحقائق» حول حاجات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، عبر الاتحاد الأوروبي أو بشكل أحادي من قبل الدول الفاعلة، أو تلك التي تقدّم عادة المساعدات للقوى الأمنية والعسكرية، وجرى ذلك بالتوازي مع صدور قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بإنهاء مهمّة قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب «اليونيفيل»، بدفع أميركي. لكن بحسب العرض، فإن وفداً متخصصاً من الاتحاد زار لبنان في أيار وآب 2026 يضم مدنيين وعسكريين، واطلع على حاجات الجيش وقوى الأمن، بهدف تأمينها، بما «يسمح بتقوية قوى الأمن الداخلي لتتولّى مهامها في الداخل، ويتسنّى للجيش التفرّغ لمهامه في حماية الحدود».
وفي التفاصيل، ستكون مهام البعثة تقديم الدعم التدريبي والتقني لبناء القدرات، ولا تتضمّن تقديم الدعم العيني كالعتاد والسلاح والأموال، التي تخضع لآلية دعم أخرى عبر ما يسمّى بـ«مرفق السلام الأوروبي». ومن ضمن المهام، تقديم الدعم لتعزيز قدرات أفواج الحدود البرية و«وحدات القوات المتنقلة» والدرك الإقليمي، وتطوير قدرات المراقبة والاستخبارات والاستطلاع، وتعزيز الأمن البحري بما في ذلك «تحسين حوكمة إدارة الحدود والمرافئ».
الخطوط العامة للمهمة وأرجحية إقرارها اليوم في الحكومة وموافقات نهائية في الاتحاد الأوروبي، لا تعني أن البعثة باتت واضحة التفاصيل اللوجستية والعملانية. فهي حتى الآن، غير معروفة لناحية عدد المستشارين المدنيين والعسكريين الذين سيشاركون بها، ولا هيكليتها وميزانيتها. وترجّح وزارة الخارجية اللبنانية، ألّا يكون للبعثة حاليّاً أي مهام في جنوب الليطاني، في «ظلّ الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله» (كما ورد حرفياً في رسالة الوزارة)، علماً بأن المهمة الأساسية للبعثة هي دعم الحكومة لتنفيذ القرار 1701، الذي لا يزال المرجع الدولي الذي تستند عليه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لتحديد الوضع في جنوب لبنان وجنوب الليطاني تحديداً.
ويأتي اقتراح البعثة، في ظلّ رفض العدو الإسرائيلي أي محاولة لتوسيع الأدوار الأوروبية في لبنان، بالتوازي مع رغبة أميركية باحتكار الإمساك بالملفات الأمنية، وهو ما تشير إليه وزارة الخارجية. خصوصاً، لجهة أن الولايات المتحدة وإسرائيل باتتا تتمسكان بـ«اتفاق الإطار» الذي وقعته السلطة مع إسرائيل، كمرجعية لإدارة ملف العدوان الإسرائيلي على لبنان، ما يقود إلى إطالة أمد الاحتلال، مع محاولات عديدة لإخراج قرارات الشرعية الدولية من النقاش وتحديداً القرار 1701، وهو ما يندرج تحته الإصرار الأميركي على إنهاء مهمة القوات الدولية.
وفي حين، تؤكّد وزارة الخارجية أن روحية عمل البعثة بدعم المؤسسات اللبنانية مشابهة لروحية قرار تشكيل قوات «اليونيفيل»، إلّا أن الوزارة تجزم بأن البعثة الحالية لا تشكل أي بديل عن البعثة الأممية التي من المفترض أن تبدأ انسحابها من لبنان نهاية هذا العام، علماً بأن لبنان وبمساعدة فرنسا والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريش، يسعى إلى استصدار قرار من مجلس الأمن خلال الأشهر المقبلة، بدعم تشكيل قوّة أممية ترث بعثة اليونيفيل، مع استمرار الاعتراض الأميركي والرفض الإسرائيلي.
ومؤخراً جرى تسريب أسماء دول أوروبية، لا تمانع إسرائيل أن تشارك مع القوات الأميركية في «مهام التحقّق من تنفيذ اتفاق الإطار»، مثل إيطاليا وسويسرا، إلا أن ذلك لا يرتبط بأي شأن يتعلق بالبعثة المطروحة حالياً. ولا ينفصل الحديث عن الحضور الإيطالي في لبنان، عن الرغبة الإيطالية والفرنسية والألمانية والإسبانية، لإبقاء وجود عسكري في لبنان مع انتهاء مهمة اليونيفيل، تكون البعثة الجديدة أحد أشكاله. وتظهر محاولات من إسرائيل لتوريط روما بمواقف متطرفة تجاه الساحة اللبنانية، واستغلال تطور علاقات روما العسكرية مع إسرائيل التي تقدّمت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد الحرب الروسية ـ الأوكرانية، ومحاولات إبعاد فرنسا وإسبانيا عن المشهد.
لكن وبحسب ما يؤكد أكثر من مصدر أوروبي، فإن الدول الأوروبية الأربع، التي لديها الدور الأكبر في دعم الجيش اللبناني حالياً ومن المرجح أن يشكل مستشاروها الجزء الأكبر من البعثة الجديدة، لا ترغب في القيام بأدوار تتعدّى دعم الحكومة اللبنانية (كما ترغب إسرائيل من الدور الإيطالي)، حيث يبدي الإيطاليون حذراً شديداً لتوضيح موقفهم من الشأن اللبناني والتمسك بالحضور من ضمن مهمة أوروبية أو أممية ذات مشروعية واضحة.
ومن المرجّح اليوم أن يتم إقرار الموافقة على القبول بتشكيل البعثة، من دون أن تبرز اعتراضات وزارية عدا عن بعض الاستيضاحات ربما، لا سيّما من وزراء حزب الله أو حركة أمل، خصوصاً أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله، قد أبديا تأييدهما لموافقة لبنان على تشكيل البعثة، ووجود برامج دعم حالية أوروبية، منفردة ومشتركة.
حزب الله للأوروبيين: اتفاق 27 تشرين فقط!
خلال الأشهر الماضية، كانت الهيئات الرسمية في الاتحاد الأوروبي من جهة، وبعض الدول الأعضاء في قوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان «اليونيفل» من جهة ثانية، تطلق حواراً بعيداً عن الأضواء مع أكثر من جهة لبنانية بشأن مرحلة ما بعد انتهاء ولاية القوة نهاية هذه السنة. وإزاء الفيتو الأميركي على أي دور لقوة أممية في لبنان، حاول الجانب الأوروبي انتزاع دور عبر محاولة استرضاء إسرائيل أو أميركا من جهة، وإشعار السلطة في لبنان بأن هذا الدور يسمح بتعزيز الشراكة مع المؤسسات العسكرية والأمنية في لبنان. وقد عقدت الكثير من الاجتماعات، كان البارز فيها الاتصال مع قيادة حزب الله.
وبينما يجري التكتم على تفاصيل العروض التي نوقشت، إلا أن ممثلي الاتحاد الأوروبي والدول المعنية سمعوا من حزب الله موقفاً واضحاً لا يحتمل التأويل. وعلمت «الأخبار» أن موقف الحزب يتلخص في ثلاثة بنود:
الأول: أن حزب الله يرفض أي وجود لأي قوة عسكرية أو أمنية في جنوب لبنان ما لم تكن تابعة للأمم المتحدة، ومنفّذة للقرار 1701.
الثاني: أن حزب الله يعتبر أن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 هو مرجعية أي بحث في مستقبل الوضع في الجنوب، بما في ذلك عمل القوات الدولية.
الثالث: أن حزب الله يرفض بصورة مطلقة اعتبار «اتفاق الإطار» مرجعية لعمل أي قوة دولية، ولن يقبل بأي عمل يندرج تحت هذا الاتفاق.
وبحسب المصادر، فإن الملف كان أيضاً محل تشاور بين دول أوروبية وبين روسيا والصين من زاوية احتمال التوجه إلى مجلس الأمن الدولي.




