البرد آتٍ والتدفئة بـ “التقنين”.. هل يقتطع سكان الجبال من طعامهم من أجل المازوت؟

ليبانون ديبايت”-سمر يموت
كانت “مونة المازوت” تسبق الشتاء إلى منزل “أم محمد” في بلدة أكروم العكارية. قبل أن يشتدّ البرد، كانت الأم لخمسة أطفال تُؤمّن البراميل التي تحتاج إليها عائلتها، وتنام مطمئنة إلى أن التدفئة باتت مؤمّنة للأشهر المقبلة. هذا العام، بقيت البراميل فارغة.
تحتاج عائلتها إلى نحو خمسة براميل، سعة الواحد منها 200 ليتر، لتجاوز موسم البرد. تقول “أم محمد” في حديثها لـ “ليبانون ديبايت” إنها كانت تدفع نحو 155 دولاراً للبرميل، أما اليوم فتجاوز سعره 300 دولار، ما جعل تأمين ألف ليتر دفعة واحدة، كما اعتادت، أمراً يفوق قدرتها. “كنا نُموّن المازوت مثلما نُموّن اللبنة والمكدوس والزعتر والزيت”، تقول بأسى. أما هذا العام، فلم تتمكن من تأمين “مونة الشتاء”، وباتت تراهن على أن يكون البرد أقل قسوة، وعلى إطفاء الصوبة في الساعات التي يكون فيها أطفالها في المدرسة.
التدفئة ليست رفاهية!
لكن في أكروم، كما في الكثير من قرى عكار والضنية وبشري والبقاع وبعلبك والهرمل والمرتفعات في كسروان والمتن والشوف وعاليه وجزين، لا تُشكّل التدفئة رفاهية يُمكن شطبها من ميزانية الأسرة عند ارتفاع الأسعار. فحين تنخفض درجات الحرارة، قد تبقى المدفأة مُشتعلة لساعات طويلة، وقد يحتاج المنزل الواحد إلى أكثر من صوبة، فيما يمتد موسم التدفئة أشهراً.
والمشكلة التي ترويها “أم محمد” تعكسها الأرقام أيضاً. فسعر صفيحة المازوت، سعة 20 ليتراً، الذي كان يدور حول مليون و379 ألف ليرة (نحو 15.4 دولاراً) في مطلع تشرين الأول 2025، بلغ في آخر جدول صادر في 25 أيلول الجاري مليونين و771 ألف ليرة (نحو 31 دولاراً)، أي بزيادة تقارب 101 في المئة خلال عام.
وبذلك، ارتفعت كلفة 500 ليتر من نحو 34.5 مليون ليرة (نحو 385 دولاراً) إلى نحو 69.3 مليون ليرة (نحو 774 دولاراً)، فيما قفزت كلفة ألف ليتر، وهي الكمية التي تحتاج إليها عائلة “أم محمد”، شأنها شأن عائلات كثيرة، للموسم الواحد، من نحو 69 مليون ليرة (نحو 770 دولاراً) إلى نحو 138.6 مليون ليرة (نحو 1548 دولاراً).
توفير في الطعام من أجل التدفئة
ومع اقتراب الشتاء، لا يعود السؤال بالنسبة إلى كثير من سكان الجبال كيف سيؤمّنون المازوت فحسب، بل ماذا سيقتطعون من مصروفهم مقابله: الطعام، أم الدواء، أم قسط المدرسة، أم حاجات أخرى؟
تعرف “أم محمد” منذ الآن أن عليها إعادة ترتيب ميزانية المنزل. فحين يكون أطفالها الخمسة في المدرسة، ستُطفئ الصوبة قدر الإمكان لتوفير المازوت، لكنها تقول إن الأمر يتوقف أولاً وأخيراً على الطقس: “إذا كان البرد قويّاً، لا نستطيع إطفاء الصوبة”. وتزداد الكلفة في الأيام الأشد برودة، إذ تضطر العائلة إلى “تقوية” الصوبة كلما انخفضت درجات الحرارة. كما أن المنزل قد يحتاج إلى مدفأتين في الوقت نفسه، واحدة في غرفة الجلوس وأخرى في الغرفة التي يدرس فيها الأولاد.
وفي ظل دخل محدود ومصاريف لا تتوقف عند التدفئة، من الطعام والدواء إلى المدرسة والنقل، تخشى “أم محمد” أن تضطر إلى التوفير في مكان آخر لتأمين المازوت. وتقول إن الأولوية قد تفرض نفسها في النهاية: “يمكن نوفر بالأكل كرمال نقدر ندفّي. التدفئة ما فينا نستغني عنها”.
“صرنا نعبّي بالمطرات”
تختصر “الحجة وفاء” التحوّل الذي طرأ على طريقة شراء المازوت بعبارة واحدة: “صرنا نعبّي بالمطرات”. فبعدما كان شراء البرميل وتخزينه قبل الشتاء أمراً معتاداً، تقول إنها لم تعد قادرة هذا العام على دفع ثمنه كاملاً، وباتت تشتري المازوت في عبوات سعة الواحدة منها 20 ليتراً، يبلغ سعرها الرسمي حالياً مليونين و771 ألف ليرة (نحو 31 دولاراً)، بحسب ما يتوافر معها من مال.
تصف “الحجة وفاء” الوضع بـ”المأساوي”، معتبرة أن “الحديث واحد والخنقة على الجميع”، ولا سيما في المناطق الجبلية حيث لا يستطيع السكان ببساطة التخلّي عن التدفئة.
لا تتوقف المشكلة عند المنازل وحدها. فالمدارس في القرى المرتفعة تحتاج هي الأخرى إلى التدفئة، سواء بواسطة أنظمة الشوفاج أو الصوبات التقليدية. وتقول “الحجة وفاء” إن الأهالي أُبلغوا منذ بداية العام بأن ارتفاع أسعار المحروقات والنقل سينعكس أيضاً على النفقات المدرسية.
الحطب.. وقطع الأشجار
أمام الكلفة المتزايدة للمازوت، يبحث سكان القرى عن وسائل أخرى للتدفئة، إلا أن البدائل نفسها باتت مكلفة. ويروي “أبو علي” أن عدداً من الأهالي عادوا إلى الحطب، لكن سعر الطن وصل في منطقته إلى نحو 300 دولار، هذا إن توافر، فضلاً عن أن تخزينه يحتاج إلى مساحة مناسبة تحميه من المطر والرطوبة.
ويلجأ آخرون من سكان القرى إلى ما توفره البيئة الزراعية المحيطة بهم. فمع انتهاء موسم القطاف والتقليم، يضطر البعض إلى جمع أغصان الزيتون الجافة وبقايا تقليم الأشجار لاستخدامها في التدفئة، فيما يعمد آخرون إلى قطع أغصان من أشجار اللوز والسنديان الموجودة في أراضيهم للاستعاضة بها عن الحطب.
كما عاد “الجفت”، وهو من مخلفات عصر الزيتون التي تُجفف وتُستخدم وقوداً للتدفئة، ليشكّل خياراً آخر لدى بعض العائلات، لكن “أبو علي” يشير إلى أن سعره ارتفع بدوره ولم يعد متوافراً بالكميات نفسها.
ومع تزايد الحاجة إلى الحطب، برزت ظاهرة أخرى بدأت تقلق أصحاب الأراضي. فالأراضي الزراعية البعيدة عن المنازل يصعب مراقبتها باستمرار، ويشكو بعض الأهالي من دخول غرباء إليها وقطع أشجار أو أغصان من دون إذن أصحابها للاستفادة منها في التدفئة.
الشراء على قدر الجيبة
ما يرويه أهل القرى لا يبدو حالة فردية. فقد أشار ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا، في تصريحاته أخيراً، إلى تراجع الطلب على المازوت مع اقتراب موسم الشتاء نتيجة ارتفاع الأسعار، موضحاً أن مواطنين كانوا يؤمّنون كامل حاجتهم للموسم، بات بعضهم يشتري برميلاً واحداً وينتظر حركة الأسعار، رغم أن حاجته قد تصل إلى خمسة أو سبعة أو عشرة براميل.
والمفارقة أن تراجع الطلب لا يعني تراجع الحاجة. فالطقس لم يصبح أكثر دفئاً، ولم تختفِ حاجة سكان المناطق الجبلية إلى التدفئة، لكن القدرة على شراء الكميات وتخزينها مسبقاً هي التي تقلّصت.
زمن التقسيط ولّى
حتى خيار شراء المازوت بالتقسيط، الذي كان يخفف العبء عن بعض العائلات، أصبح أكثر صعوبة هذا العام. ويقول “إبراهيم”، أحد موزعي المازوت، إن “هامش التساهل مع الزبائن في الدفع تقلّص كثيراً، لأن الموزّع نفسه يشتري المادة نقداً ولا يستطيع ضمان السعر الذي سيشتري به الكمية التالية، في ظل التبدلات المتلاحقة في أسعار المحروقات”.
ويشير إلى أن تقسيط ثمن المازوت للأهالي كان ممكناً في العام الماضي، عندما كان السعر أكثر استقراراً، “وكنا نتساهل بهذا الأمر مع الزبائن”. أما اليوم، فأصبح ذلك بالغ الصعوبة، لأن الموزع قد يبيع كمية بسعر معين ويتقاضى ثمنها لاحقاً، فيما يكون مضطراً إلى شراء الكمية الجديدة بسعر أعلى.
وقد تصبح المعادلة أكثر قسوة في المناطق التي يستمر فيها موسم التدفئة أشهراً. فالعائلة تستطيع تأجيل شراء قطعة ملابس، أو تقليص بعض أصناف الطعام، أو الاستغناء عن مصروف غير ضروري، لكنها لا تستطيع، في ليلة شديدة البرودة، أن تؤجل تدفئة المنزل إلى وقت لاحق.
وبين سعر تضاعف تقريباً خلال عام، وبدائل لم تعد زهيدة، وقدرة شرائية محدودة، يدخل سكان المناطق الجبلية موسم الشتاء بحسابات مختلفة: كم ليتر يمكن شراؤه هذا الأسبوع؟ كم ساعة يمكن تشغيل الصوبة؟ وأي بند من ميزانية الأسرة يمكن تخفيضه لتأمين الدفء؟ وقد تبقى الإجابات كلها مرتبطة بسؤال واحد: كم سيكون الشتاء قارساً هذه السنة؟.




