أمن وقضاء

عظام مطحونة منتهية الصلاحية أُرسلت إلى مستشفى… ثم مُدّدت صلاحيتها 6 أشهر!

“ليبانون ديبايت”

بخطوات متأنية وعين لا تغفل عن التفاصيل، أصدرت قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان، القاضية ندى الأسمر، قرارها الظني في ملف يمسّ صحة اللبنانيين وسلامتهم مباشرة، ويتناول شبهات غش في معدات ومستلزمات طبية تُستخدم في غرف العمليات، والمنسوبة إلى شركة “أرثرولاب” والقائمين عليها، إلى جانب شبهة رشوة مراقب صحي في وزارة الصحة.

بدأت تفاصيل القضية بإخبار ورد إلى مكتب مرفأ بيروت في المديرية العامة لأمن الدولة، ثم تتابعت الاستقصاءات والمداهمات في مستودعي الشركة في شننعير وكفرحباب. وأظهرت الكشوفات وجود كميات من المستلزمات الطبية المنتهية الصلاحية، وعدم فصل واضح بينها وبين المنتجات الصالحة، إضافة إلى لواصق وأدوات يُشتبه في استخدامها لإزالة الملصقات الأصلية ووضع أخرى بديلة. كما سجّلت التقارير الفنية مؤشرات على إعادة تجهيز مستلزمات معدّة للاستعمال مرة واحدة، وملاحظات تتعلق بالنظافة وظروف التخزين.

وفي قلب الملف، نحو 15 علبة من مادة “العظام المطحونة” أُرسلت إلى مستشفى الرسول الأعظم خلال فترة الحرب، ثم أُعيدت إلى الشركة بعدما تبيّن انتهاء صلاحيتها. وتُستخدم مواد الترقيع العظمي عموماً لملء الفراغات أو العيوب في العظم ومساندة التئامه، في بعض حالات الكسور والجراحات العظمية. ولا يذكر القرار أن هذه العلب زُرعت في أجساد مرضى، بل يشير إلى أنها أُعيدت إلى الشركة بعد اكتشاف انتهاء صلاحيتها.

وأقرّ مدير الشركة زياد حداد بأن صلاحية العلب كانت قد انتهت منذ نحو 3 أشهر، وأن التاريخ المدوّن على الملصق مُدّد 6 أشهر إضافية، مبرراً ذلك بالنقص في السوق والحاجة الملحّة إلى المادة مع كثرة الإصابات. وقال إن المستشفى أعاد العلب بعد علمه بوضعها، وحصل على حسم بنسبة 10% من قيمة مبيعات الشركة لمدة سنة، فيما بقيت العلب في المستودع إلى أن ضبطتها عناصر أمن الدولة.

وامتدّ الملف إلى بيانات منشأ بعض المستلزمات المستوردة من الصين. فقد أقرّ حداد بتغيير لواصق المنشأ، قائلاً إن ذلك أتاح للمستشفيات والجهات الضامنة تغطية كلفتها بعدما تعذّر تأمين بدائل من الولايات المتحدة، وإن الأطباء كانوا على علم بالمنشأ الصيني. كما أقرّ بإعادة استعمال بعض مستلزمات الطب الرياضي بعد تعقيمها في حالات استثنائية. وفي المقابل، تمسكت الشركة بأن بعض المعدات مصمّم لإعادة الاستخدام، وأن مستلزمات منتهية كانت معزولة وغير معدّة للتداول.

وفي إحدى الإفادات، تحدّث موظف عن استخدام لواصق تحمل تواريخ جديدة وبيانات شركات وماركات عالمية، وعن إعادة تنظيف معدات مستعملة وتغليفها تمهيداً لإرسالها إلى مستشفيات أخرى، مقدّراً أن نحو 100 مستشفى تعرضت للغش. وقد ورد ذلك في إطار إفادته، فيما لم يقدّم القرار هذا العدد بوصفه نتيجة مثبتة لكل حالات التداول.

وبميزان القانون، لم تجمع القاضية الأسمر كل المضبوطات في توصيف واحد، بل شدّدت على ضرورة التمييز بين المستلزمات المعدّة للاستعمال مرة واحدة والمعدات القابلة لإعادة الاستخدام وفق شروط محددة، والتحقق من طبيعة كل صنف وحالته وظروف تخزينه. وبعد تقييم دور كل مدعى عليه على حدة، ظنّت بحداد وبالشركة بجرائم تتصل بالغش ومخالفة قانون حماية المستهلك وتغيير بيانات المنشأ. كما ظنّت بسمعان اليني على خلفية حيازة مستلزمات منتهية الصلاحية وتخزينها، وبالمحاسب ياسر حيدر لدوره في المعاملات والبيانات المحاسبية، وبمسؤول المبيعات ربيع طنوس لمتابعته الطلبيات وتواصله مع المستشفيات.

أما شبهة رشوة المراقب الصحي شربل حرفوش، التي وردت في إفادات متناقضة وأُشير فيها إلى مبلغ قدره 400 دولار، فلم تجد القاضية دليلاً مادياً يثبت الدفع أو العرض، فقررت منع المحاكمة في جناية الرشوة. لكنها ظنّت بحرفوش بجنحة الإخلال بموجبات الوظيفة، بعدما خلصت إلى أنه عاين مستلزمات منتهية وأدوات مستعملة إلى جانب أخرى جديدة، من دون أن يوثّق ما شاهده في تقرير أصولي، مكتفياً بملاحظات شفهية.

وبقرارها إحالة المدعى عليهم إلى القاضي المنفرد الجزائي في كسروان، تركت الأسمر للمحاكمة الفصل في المسؤوليات. فالقرار ظني ولا يشكّل حكماً نهائياً بالإدانة، فيما يبقى السؤال الأشد حساسية متعلقاً بما يدخل غرف العمليات: ما طبيعة كل مستلزم؟ وهل طُرحت بياناته وصلاحيته كما هي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى