المجلس الدستوري يُقيِّد العفو العام وإبطال جزئي للقانون

نشر المجلس الدستوري قراره الصادر بتاريخ 12 تشرين الأول 2026 في شأن الطعن في القانون رقم 70/2026 المتعلّق بالعفو العام، معلناً بالإجماع قبول المراجعة شكلاً، وردّها في الأساس بالنسبة إلى طلب إبطال القانون برمّته، مع إبطاله جزئياً وتحصينه بتحفظات تفسيرية ملزمة.
وشملت التحفظات التفسيرية الملزمة عدداً من مواد القانون، أبرزها تحديد نطاق القرارات الإدارية المشمولة بالعفو، وتفسير مفهوم التكرار في جرائم المخدرات، وتوسيع نطاق استثناء الجرائم المرتبطة بالمخدرات المرتكبة من قبل العسكريين وعناصر المؤسسات الأمنية ليشمل جرائم الزراعة.
وأكد القرار أن العفو لا يحول دون تحصيل حقوق الدولة بوصفها متضررة، ولا دون اتخاذ إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد، كما اعتبر أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري تبقى خارج نطاق العفو. وحدّد كيفية تطبيق العقوبات على المحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة.
وكتبت” الاخبار”: وكانت أولى نتائج قرار المجلس الذي خرج بإجماع الأعضاء الحاضرين، إعلان المتحدّث باسم السجناء إنهاء الإضراب المفتوح عن الطعام والدواء الذي استمر 30 يوماً، مشيراً إلى وجود حال من خيبة الأمل لدى قسم من السجناء إزاء بعض التفسيرات التي طاولت جوهر عدد من مواد القانون، وأدخلت عليها تعديلات فعلية بدل الاكتفاء بتفسيرات توضيحية لآليات تطبيقها.
وهو الأمر الذي يقوله أيضاً بعض المحامين الذين يتحدثون عن التباسات قد تفتح أمام القضاة باب الاجتهاد، وهو ما يخشاه هؤلاء في ما يتعلق بالمادة الخامسة، على سبيل المثال. وهي المادة التي يتوقف عليها مصير الموقوفين الإسلاميين الذين تجاوزت مدة توقيفهم 12 سنة من دون صدور أحكام بحقهم. والتخوف هو من تعارضها مع المادة الثانية التي تحدد الجرائم المستثناة، كالإرهاب.
ولذا، يعتبر قانونيون أن العبرة تبقى في التنفيذ، مُعوِّلين على إمكانية صدور تعاميم إضافية من مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة التمييزية، تتضمّن تفسيراً واضحاً لبعض البنود كي لا يُفتَح باب الاجتهادات التي قد تؤدي إلى التمييز بين موقوف وآخر.
ويلفت هؤلاء إلى أن قراءة التفسيرات التي أدخلها المجلس الدستوري تحتاج إلى وقت إضافي، ولا سيما أن هناك ضبابية في بعض البنود، فيما صدرت عن قانونيين اعتراضات تتصل بحدود صلاحيات المجلس، واتهامات له بتجاوز التفسير إلى ممارسة دور تشريعي، فضلاً عن تساؤلات بشأن غياب العضوين السُّنيَّين عن المداولات، وشبهات الكيل بمكيالين في معالجة بعض الفئات والجرائم.
ويتحدث هؤلاء عن تواصل مكثف مع بعض النواب الذين قد يصدرون بيانات معترضة في هذا السياق، رغم أنها لن تؤدي إلى أي نتيجة، على اعتبار أن قرار «الدستوري» مبرم، فيما القانون سيبدأ تنفيذه عبر إخلاء السجناء المشمولين الأسبوع المقبل.
في المقابل، يُعتَبر استثناء جرائم الفساد أبرز التحولات التي أقرّها المجلس، إذ رفض حصره بالجرائم المُحدَّدة في بعض بنود المادة الثانية، وأَلزم باعتبار جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية التي التزم بها لبنان خارج نطاق العفو، سواء ارتُكبت في القطاع العام أم الخاص، وأياً كانت صفة المتورطين فيها.
وبموجب هذا التفسير، لا يقتصر الاستثناء على الموظف العمومي، بل يشمل الفاعل والشريك والمتدخل والمحرض والمخبِّئ، بمن فيهم الراشي والوسيط والمستفيد وسائر المساهمين في الجريمة. وتكمن أهمية هذا التوسع في منع إفادة أحد أطراف عملية الفساد من العفو، مع الإبقاء على الطرف الآخر خاضعاً للملاحقة عن الفعل نفسه، بما قد يخلّ بمبدأ المساواة ويفرّغ الاستثناء من مضمونه.
كذلك، أكد المجلس أن العفو لا يسقط حق الدولة في استرداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد، ولا يحول دون المصادرة أو مطالبة المتضررين بحقوقهم. وبذلك، لم يعد ممكناً تفسير تعداد الجرائم الواردة في القانون باعتباره لائحة مغلقة تتيح الإفادة من العفو في جرائم فساد أخرى لم ترد تسميتها صراحةً.
لكن هذه المعالجة أيضاً فتحت نقاشاً بين القانونيين حول حدود التفسير الدستوري، متسائلين عمّا إذا كان توسيع الاستثناءات لتشمل فئات وجرائم لم يحددها النص بوضوح يندرج في إطار تفسير القانون بما يتوافق مع الدستور، أم يقترب من إعادة صياغة إرادة المشترع، خصوصاً أن التفسير يرتب حرمان فئات من الاستفادة من العفو، بما يجعل تحديد الوصف القانوني للجريمة ودور كل متهم فيها حاسماً في تقرير مصير الملفات، على حدّ قولهم.
ولم يقتصر تدخّل المجلس على الفساد، بل فرض استثناءً يشمل كل فعل يشكّل جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيباً أو إخفاءً قسرياً، انسجاماً مع التزامات لبنان الدولية. كما وحّد المهلة الزمنية للجرائم المشمولة بالعفو عند 1 آذار 2026، وأبطل عبارتين في أحكام المخدرات كانتا تربطان بعض الجرائم بتاريخ صدور القانون.
وفسّر مفهوم التكرار في جرائم المخدرات وفق شروطه القانونية، ووسّع نطاق استثناء التعديات على الأملاك العامة وجرائم التزوير. كذلك، حصر إسقاط القرارات الإدارية بالتدابير المرتبطة مباشرةً بالملاحقة أو الإدانة الجزائية، مستبعداً العقوبات التأديبية المستقلة. وأزال قيداً زمنياً من أحكام تخفيض العقوبات في جرائم القتل المشدد. ومنع تفسير القانون بما يعيد إحياء عقوبة الإعدام التي ألغيت في قانون لاحق.
وفي هذا الإطار، حسم المجلس الدستوري جانباً من الالتباس الذي أثارته المادة الثالثة، بعدما حدّد عقوبة الجرائم التي كانت تستوجب الإعدام بـ 28 سنة سجنية، من دون إخضاعها للتخفيض الذي يجعل عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة. وأوضح أن هذا التحديد لا يعيد العمل بعقوبة الإعدام التي أُلغيت بموجب القانون 68/2026، بل يشمل الجرائم التي كان معاقباً عليها بها قبل نفاذ قانون الإلغاء، وكذلك بالنسبة إلى المحكومين الذين استُبدلت عقوبة الإعدام الصادرة بحقهم بالأشغال الشاقة المؤبدة.
وكتبت” نداء الوطن”: ويعيد القرار إلى الواجهة ملف الموقوفين الإسلاميين، إذ يتيح القانون استفادة بعضهم من العفو أو تخفيض العقوبات، وإخلاء سبيل من تجاوز توقيفه 12 سنة سجنية من دون صدور حكم بحقه، مع استمرار محاكمته.
في المقابل، تبقى جرائم القتل والإرهاب المرتكبة بحق المدنيين والعسكريين، والملفات المحالة إلى المجلس العدلي، خارج العفو. كما استثنى المجلس جميع جرائم الفساد، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري، ووحّد المهلة الزمنية للجرائم المشمولة بالعفو عند الأول من آذار 2026.
لكن الجدل القانوني يتركز على تفسير “التكرار” في جنايات المخدرات، بعدما اشترط المجلس وجود أحكام قضائية مبرمة، لا مجرد ملاحقات متكررة. وهو تفسير يرى منتقدوه أنه قد يسمح لتجار مخدرات تتراكم بحقهم الملاحقات والأحكام الغيابية بالاستفادة من العفو، خلافاً للغاية التي استهدفها المشرّع، وسط التوقف بتحفّظ عند الدور التشريعي المتقدّم الذي لعبه المجلس الدستوري.
وكتبت” الديار”؛ ادى قرار المجلس الدستوري باجماع 8 اعضاء،لإبطال أجزاء من أحكام قانون العفو وإصدار تفسيرات ملزمة توضيح نطاق تطبيقه، الى ردود فعل غاضبة من تكتل النواب السنة الذين اتهموا المجلس بدعم «الدولة العميقة» واستهداف مكون بذاته وتوعدوا التيار الوطني الحر باعتباره مقدم الطعن بالحساب! رد الفعل الغاضب جاء بحسب مصادر نيابية ردا على تعديلات من شأنها ان تبقي الشيخ احمد الاسير وآخرين نحو 10 سنوات اخرى في السجن بعد رفض المجلس حساب مدة المؤبد المخفض من عقوبة الاعدام ب17 سنة سجنية واستبدلها ب28 سنة.
وقد رسم المجلس حدود المستفيدين من العفو، ولا سيما في ملفات الفساد والمخدرات والتزوير والجرائم الخطيرة، ومن أبرز ما أقرّه المجلس عدم حصر جرائم الفساد المستثناة من العفو بما ورد في بندين محدّدين من القانون، بل توسيع نطاق الاستثناء ليشمل جميع جرائم الفساد المنصوص عليها في القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية الملزمة للبنان، في القطاعين العام والخاص، بصرف النظر عن صفة المتورطين أو مواقعهم. كما أكّد أن العفو لا يحول دون تحصيل الدولة حقوقها أو اتخاذ إجراءات المصادرة واسترداد الأموال المتأتية من جرائم الفساد. وشملت التفسيرات أيضاً إخراج جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والإخفاء القسري من نطاق العفو، وتوضيح الاستثناءات المتعلقة بجرائم التزوير والمخدرات والقتل العمدي أو القصدي المقترن بظروف مشددة.
في تعديل آخر، أُبطلت عبارات كانت تربط شمول بعض الجرائم بالعفو بتاريخ صدور القانون، بما يؤدي إلى اعتماد الأول من آذار 2026 حداً زمنياً موحداً للجرائم المعنية، بما فيها جرائم المخدرات وزراعتها. من جهته اعتبر رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل ان المجلس الدستوري نجح بالإبطال الجزئي والتحفظات التفسيرية، حيث أجرم المجلس النيابي، ونجحنا معه في الحد من كارثة العفو العام.




