إقليمي ودولي

لا مكان للمواقف الرمادية.. انسحاب غانتس يكشف أزمة الوسط السياسي في إسرائيل

قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول، أعاد انسحاب بني غانتس من السباق الانتخابي تسليط الضوء على تراجع موقع تيار الوسط في السياسة الإسرائيلية، وسط استقطاب متزايد يضع السياسيين أمام خيار الانحياز إلى أحد المعسكرين، ويضيّق مساحة المناورة أمام من يحاولون الجمع بين مواقف متباينة.

 وفي مقال رأي نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، يرى رئيس تحريرها زفيكا كلاين أن تجربة غانتس تعكس صعوبة الحفاظ على موقع سياسي خارج الاصطفافات التقليدية، حتى عندما تكون الخيارات التي يتخذها السياسي مرتبطة، بحسب تبريره، بمصلحة البلاد.

 وكان غانتس قد أعلن، الاثنين، عدم خوض انتخابات 27 تشرين الأول، بعدما أظهرت استطلاعات الرأي أن حزبه “أزرق أبيض” يحظى بنحو 1% من الأصوات، وهي نسبة تقل كثيراً عن العتبة الانتخابية البالغة 3.25% اللازمة للفوز بمقعد في الكنيست.

 وقبل سبع سنوات، كان غانتس من أبرز المنافسين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكنه خسر تدريجياً جزءاً من قاعدته السياسية. ففي عام 2020، انضم إلى حكومة برئاسة نتنياهو بهدف إنهاء الجمود السياسي، وهو قرار لم يغفره له قسم من ناخبيه. وبعد هجوم 7 تشرين الأول 2023، انضم إلى حكومة الطوارئ وشارك في مجلس الحرب، قبل أن ينسحب منها في حزيران 2024، اعتراضاً على طريقة إدارة الحرب، ما أثار بدوره انتقادات في أوساط أخرى.

 ويشير كلاين إلى أن قرارات غانتس وضعته بين معسكرين، احتفظ كل منهما بالجزء الذي يعارضه من تجربته السياسية، من دون أن يمنحه مساحة كافية لتقديم نفسه بوصفه خياراً مستقلاً. كما يرى أن حملته لم تنجح في توضيح مشروعه السياسي بصورة تقنع الناخبين، وأن مغادرة حلفائه حزبه ساهمت في إضعاف موقعه. 

ولا يحصر المقال هذه المشكلة بغانتس وحده، بل يتناول ما يعتبره ميلاً لدى الناخبين إلى الحكم على السياسيين انطلاقاً من انتماءاتهم، بدلاً من الفصل بين قراراتهم المختلفة. ويضرب الكاتب مثالاً برئيس الوزراء نتنياهو، مشيراً إلى أن الناخب يستطيع الاعتراف بإنجازاته، وفي الوقت نفسه اعتبار إخفاقات 7 تشرين الأول سبباً كافياً لرفض استمرار ولايته. 

ويتطرق المقال أيضاً إلى يائير غولان، معتبراً أن إنقاذه أشخاصاً خلال هجوم 7 تشرين الأول يستحق التقدير، لكن ذلك لا يمنع إخضاع مواقفه السياسية وتصريحاته اللاحقة للنقد. ويرى الكاتب أن الاعتراف بعمل إيجابي لا ينبغي أن يتحول إلى تأييد شامل لكل ما يصدر عن صاحبه. 

ويحذر كلاين من أن الاستقطاب السياسي لا يقتصر تأثيره على الداخل الإسرائيلي، بل يمتد إلى اليهود في الخارج، الذين قد يتأثرون بخطاب القادة الإسرائيليين ومواقفهم، رغم عدم مشاركتهم في انتخابهم. 

وفي ختام مقاله، يدعو الكاتب الناخبين إلى النظر أيضاً في الوقائع التي قد تتعارض مع خياراتهم السياسية المسبقة، سواء كانت إنجازاً للمرشح الذي يعارضونه أو إخفاقاً للمرشح الذي يؤيدونه. ويربط ذلك بالتحديات التي ستواجه الأحزاب بعد الانتخابات، ولا سيما المفاوضات الائتلافية حول الوزارات والخدمة العسكرية والموازنات والقضاء. 

ويخلص المقال إلى مفارقة سياسية تتمثل في أن انسحاب غانتس، الذي دافع لسنوات عن تشكيل حكومة تتجاوز الانقسام بين المعسكرات، قد يجعل القوى التي انتقدت هذا التوجه أمام ضرورة البحث عن تسويات مماثلة إذا أفرزت نتائج الانتخابات برلماناً من دون أغلبية واضحة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى