مقالات

وليسَ يُرْجَمُ إلّا.. سمير جعجع

بالرَّغمِ من كثيرينَ، عندَنا، يدافعون عن سيادة الوطن، ويجبهون المحورَ النَّقيض، وأحياناً، بشدّةٍ، لكنّ الشّأنِيّين في ذاك الصفّ، وعلى مختلفِ مواقعهم، ومستوياتهم، واختصاصاتهم، لا يُرضيهم إلّا رَجْمُ سمير جعجع الحكيم، هو بالذّات، بالنّقد، والتشويه، والتجريح، والمغالطات، والاتّهامات، والتُرَّهات… وذلك، لِلَفتِ الانتباهِ إليهم، ليس إلّا، كونَهم يرجمونَ أعلى المقامات.

في هذه الأيام الدّقيقة، حيثُ الوطنُ مهشَّمُ الظِّلال، وأهلُهُ وصلوا الى حدِّ نُضوبِ اللَّونِ في وجوهِهم، خوفاً من حربٍ تُنذِرُ بالخرابِ والدمّ، لا تميلُ الآذانُ والعيونُ إلّا لِما يقولُه سمير جعجع، وما يقوله هذا الرَّجل، هو ذو خصوصيّةٍ بالغةِ القيمة، من حيثُ الوضوحُ، والمُباشرة، والجرأة، بمعنى أنّ كلامه يحملُ هزّة نوعيّة من شأنها أن توقظَ الغافلين، عندَنا، عمّا يُنسَج للوطن من سلالةِ الشياطين، هؤلاءِ الذين تخلَّوا عن البلد بالعَمالةِ والخيانة، والمكيدة، ليصبحَ لقمةً سائغةً في شِدقِ الذين يَسعَون لانتدابِهِ، بل لاستعمارِه. وهكذا، يأتي كلامُ سمير جعجع، دائماً، تحدِّياً لهؤلاءِ العَديمي الولاءِ والانتماء، الذين يستبيحون حرمةَ الوطن، والمستقوين بالسلاح، والتّائقين، مع أسيادِهم الخارجيّين، الى امتلاكِ البلاد، والى زجِّها في دوّامةِ حربٍ وخيمةٍ لا يريدُها ناسُها. لكنّ الذين فُطِروا على الفضائح، والفساد، وانتهاك الحقوق، والسلطويّة المُخِلّةِ بالقوانين، جعلوا البلادَ تتجوّلُ في كَفنٍ صَدِئٍ ينزفُ يأساً، وشَوكاً، ولا تزال.

كُنّا نظنُّ، مع سمير جعجع، أنّ مرحلةَ ما قبل الدولة، قد انقَضَت غيرَ مأسوفٍ عليها أساساً، وزالَت طقوسُها من ذاكرةِ الناس، لكنّ بعضَ الظنِّ إِثم، فالذين تربَّعوا على رقبةِ البلدِ، زُوراً، مع مَنْ غطّاهم بالقوة غير الشرعيّة، استعادوا رجعيّةَ الحقبة السّالفة، وانحطاطَها، ورسّخوا موبقاتها لتكونَ وصمةَ عارٍ تشوِّهُ مُحَيّا الوطنِ الذي كان، دوماً، قبلَهم، نموذجاً رائداً للحريةِ ولكرامةِ الإنسان. إنّ مراجعةً لِما أتاهُ الفاسدون في السّلطة، مع الرجعيّينَ الجاهليّين، عندَنا، تدفعُنا، مع الدكتور جعجع، الى استحضارِ “هولاكو” الذي أحرقَ بغداد، وقد كانت عاصمةَ الثقافةِ، والعِلم، والفكر، زمنَ العبّاسيّين، وأعادَها الى همجيّةٍ نَحَرَت حضارتَها، وهكذا، لا يمكنُ أن نَجدَ تَبايُناً بين “هولاكو” المَغوليّ الذي لوَّنَ نهرَ “دِجلة” بأَسوَدِ حِبرِ الكتب المُلقاةِ في اللّجة، وبالأَحمرِ نتيجةً لإراقةِ دماءِ القتلى الذين تجاوزَ عددُهم الآلاف، وبينَ لوثةِ الزمنِ الرديءِ، عندَنا، حيثُ سلوكُ الذين كانوا مُمسِكين بالسلطة، وأسيادهم، دمّر الحريّةَ، والرّجاءَ، ودحرجَ الوطنَ الى جهنّم، حيثُ تَعانقَ مصيرُ الناسِ الأَسوَدُ مع عذابِهم الأَحمر.

إنّ توصيفَ سمير جعجع للوضعِ القائمِ، اليوم، يستندُ الى أنّ الحاكمين قد نَشَّأوا سلوكَهم، في بلادِنا، همزةَ وصلٍ بينَ الشّعبِ والنّار، فبدلاً من نُمُوِّ حالةِ الصّفاء، والفرح، والطمأنينة، والسّلام، سادَت تشكيلةٌ من القلقِ، واليأس، والصّدمات، والنّعي، والعُقم، وهي خيرُ ناطقٍ بِنِيّةِ قُطّاعِ الطّرقِ الذين يعلَمون ما يفعلون. ولعلَّ جعجع واثِقٌ بأنّ أيّةَ جراحةٍ لتجميلِ صورتِهم الجحيميّة، هي مستحيلة، حتماً، وهي عاجزةٌ عن إحداثِ نقلةٍ، لهم، من التِصاقِهم بالخِزيِ، وبعُريِهم الخُلُقي، وأَذاهم المُدَمِّر، وأدائِهم الفِتنَويّ، وأخذِهم البلادَ الى جهنّم، وذلك، مهما كان نَدَمُهم مُدَوِّياً، هذا إِنْ حصل، فندمُهم الكاذِبُ ليسَ سوى رَوَغانِ ثعالب، وكَمينِ ذِئاب.

أنا لا أُقَوِّلُ سمير جعجع ما لم يقلْه، لكنّ القصدَ مِمّا يقولُ يختزلُ قناعتَنا الجماعيّةَ، ويُؤملُ أن يكونَ عابراً لشرائحِ النَّسيجِ الوطنيّ الواعية. لذلك، قد آلَ سمير جعجع على نفسِهِ، وبحُكمِ رُقيِّهِ الأخلاقي، والوطنيّ، بألّا ينساقَ الى تسطيرِ حكمٍ مُبَرمٍ يدينُ مَنْ كان يحسبُ أنّه، مع مَنْ يُمثِّلُ، في وضعِ التّكافؤِ في الإنتماءِ للوطن، والوفاءِ لقِيَمِه، حتى أتى هؤلاءِ، تكراراً، ما يُثبِتُ إنكارَهم لهويّةِ لبنان، وأساءَتَهم الى المصلحةِ الوطنيّة، وتهميشَهم لوجودِ الدولة، ومجاهرتَهم بالولاءِ لاستعمارٍ مُستَورَدٍ ومعروفةٍ نواياه…ساعتذاك، تقدَّمَ بالنُّصحِ، والتّنبيه، ودَقَّ ناقوسَ الخطر، علَّ  ذلك يُعيدُ الى المُقيمين معنا رُشدَهم الوطنيّ، لكنّ المحاولاتِ باءَت بالفشل، وسادَ الإقتناعُ، تماماً، بعدمِ جدواها، وبأنّ مرضَ الموبوئينَ بالعمالةِ استعصى على كلِّ علاج. وفي مراجعةٍ سريعةٍ لعِلمِ النّفسِ السّلوكي، يتبيّنُ أنّ التلوّنَ المُتَضَعضعَ في الشؤونِ الوطنيّة، وتَرَسُّخَ الضّغائنِ في الأذهان، يستوجبانِ خضوعَ الذين ساهموا في إصابتِهِم بهما، لإعادةِ تأهيلٍ إلزاميّةٍ لاستعادةِ التّوازن، وإلّا سيكون الحَرَمُ الوطنيُّ هو الحلّ.

من الواضحِ ، تماماً، في مواقفِ جعجع، أنّه لمّا كان لبنانُ كياناً معرَّضاً للخطر، لِتَدافُعِ المؤامراتِ عليه، وخُطَطِ تفكيكِهِ وإخضاعِهِ للإستبدادِ به، من جانبِ جهاتٍ مُقتَرِنَةٍ بالشيطان، صار لِزاماً على السياديّين الحقيقيّين أن ينتقلوا الى صيغةٍ نضاليّةٍ تؤسِّسُ لإعادةِ تركيزِ مبادئِ الحرية، والعدالة، والحقوق، بدءاً بمواجهةِ الحالةِ النيوفاشيّةِ التي تسعى الى غَرزِ المزيدِ من التشظّي في كيانِ الوطن، وباستمرارِ المطالبةِ بتطبيقِ القراراتِ الدوليّةِ المُتناغِمةِ مع منطوقِ الدستور، وبالتّركيزِ الدّقيقِ على أصلِ الأزمةِ اللبنانيّةِ المُتَمَثِّلِ بتفلُّت السلاح، واقتنائِهِ بشكلٍ غيرِ قانونيٍّ، خارجَ القوى المسلَّحة الشرعيّة، وبالتّأكيدِ الدائمِ على أنّ  الديمقراطيَّةَ والحيادَ هما النظامُ الأَمثَلُ للبلاد، وبأنْ لا مرجعَ للشّعبِ إلّا الدولةُ القادرةُ المسؤولة…

إنّنا ننحازُ، مع الخطواتِ التي حدَّدَها سمير جعجع، لقضيّةِ لبنانَ، انتصاراً للكرامةِ التي رُكناها، الانتماء للوطنِ والولاء له، وبهما، فقط، تكون الصّلَةُ بين استمرارِه ووجودِنا. إننا نعرفُ، تماماً،        أنّه وإِنْ كان الطريقُ شاقّاً، يَستدعي ازدحامَ الهِمَم، فإنّ سمير جعجع الجريءَ،وحدَه، يُقْدِمُ عندما تَتزعزعُ طمأنينةُ الوطن، ويَغبَرُّ أملُ أهلِهِ، ليُوَجِّهَ البوصلةَ نحوَ الحقيقةِ، ويُصيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى