حكومة سلام ، عودة الطائف ، سقوط الدوحة
شكّل الرئيس نواف سلام حكومة جديدة في بداية عهد الرئيس جوزف عون، واضعًا حدًا لمفاعيل اتفاق الدوحة وما تبعه من أعراف سياسية شوّهت الممارسة الدستورية. هذه الحكومة، التي استعادت صلاحيات رئاسة الحكومة وأعادت التوازن إلى المؤسسات، لم تمر دون هجوم من قِبَل بعض الأطراف التي رأت في هذا المسار تهديدًا لمصالحها ونفوذها، حتى لو كان ذلك يعني وضع نفسها في موقع الحليف الموضوعي لقوى الأمر الواقع التي لطالما عطّلت الدولة وأحكمت قبضتها على القرار الوطني.
المعترضون: دفاع عن الدوحة أم تحالف موضوعي مع مشروع الهيمنة؟
من اللافت أن أبرز الأصوات الرافضة للحكومة لم تأتِ من خصوم الطائف التقليديين فحسب، بل من بعض النواب السنّة الذين يُفترض بهم أن يكونوا في مقدمة المدافعين عن صلاحيات رئاسة الحكومة واستعادة التوازن السياسي. إلا أن هؤلاء، بدلاً من حماية الموقع الوطني الأول للطائفة السنية، اختاروا الطعن في الحكومة وتنفيذ أجندة تتقاطع بشكل مباشر مع مشروع الهيمنة، سواء بوعي أو بغير وعي.
هؤلاء النواب، الذين يعترضون اليوم بحجة عدم الأخذ بتسمياتهم الوزارية، يرفضون الاعتراف بأن الحكومة أُسقطت عليها أعراف غير دستورية منذ اتفاق الدوحة، وأن الرئيس نواف سلام، لأول مرة منذ سنوات، مارس صلاحياته وفقًا لنصوص الدستور لا وفقًا لإملاءات سياسية. فهل كان المطلوب أن يستمر في الخضوع لنفس المعادلة السابقة التي كرّست التبعية والارتهان؟
تنفيذ أجندة من ذهب إلى التجارة ويريد تبرير خضوعه السابق
الأخطر أن جزءًا من هؤلاء المعترضين لا يتحرك من منطلقات سياسية أو وطنية، بل ينفّذ تعليمات شخصية تصدر عن شخصيات علّقت عملها السياسي وتفرغت للتجارة، لكنها تحاول اليوم إعادة تلميع صورتها عبر تصوير خضوعها السابق لقوى الهيمنة على أنه “حكمة”، بينما في الحقيقة لم يكن سوى استسلام وتواطؤ مكّن السلاح غير الشرعي من فرض إرادته على الدولة ومؤسساتها وتريد العودة إلى العمل السياسي بمفهوم التجارة الذي كانت تمارسه
هؤلاء الذين أرسلوا في الماضي أسماء الوزراء السنّة إلى “المرشد” ليختار من بينها، وعجزوا عن حماية موقع رئاسة الحكومة، يريدون اليوم تصوير التخاذل على أنه دهاء، والخضوع على أنه حنكة. ولذلك، فإنهم يهاجمون حكومة نواف سلام لأنها ببساطة كشفت تقصيرهم وعجزهم، وأسقطت الأعراف التي كانوا شركاء في تكريسها.
الاستعانة بالسنيورة: الحكمة مقابل التبعية
وفي إطار حملة التشويه ضد الحكومة، لم يتردد المعترضون في مهاجمة الرئيس نواف سلام بسبب استعانته بخبرة الرئيس فؤاد السنيورة، وكأن التشاور مع أصحاب التجربة والرؤية بات تهمة. لكن الحقيقة أن ما أزعجهم ليس السنيورة بحد ذاته، بل المقارنة بين نهج التشكيل اليوم ونهجهم السابق، حين كانوا يرسلون الأسماء المقترحة إلى قوى خارج الحكومة لتختار نيابة عنهم.
بين الطائف والدوحة: مفترق طرق لا عودة عنه
المعركة اليوم لم تعد مجرد خلاف على تشكيل حكومة، بل باتت بين نهجين واضحين:
1. نهج يريد العودة إلى الطائف، حيث المؤسسات الدستورية تحكم، وحيث رئيس الحكومة يمارس صلاحياته دون إملاءات.
2. ونهج يريد الإبقاء على مفاعيل الدوحة، حيث القرار يؤخذ في أماكن أخرى، وحيث الحكومة تُفرض عليها الشروط بدل أن تكون سلطة تنفيذية مكتملة الصلاحيات.
والمفارقة أن المعترضين على هذه الحكومة اختاروا، عن قصد أو عن جهل، أن يكونوا في صف المدافعين عن الدوحة، في موقع الحليف الموضوعي للسلاح غير الشرعي، بدلاً من أن يكونوا في طليعة من يستعيد الدور الطبيعي لرئاسة الحكومة.
خاتمة: التمايز أو السقوط السياسي
إن تشكيل حكومة نواف سلام كشف عجز الكثيرين، وأسقط الطابع “التوافقي” الزائف الذي كان يُستخدم لإخفاء الخضوع لمعادلات غير شرعية. واليوم، باتت الخيارات واضحة: إما الوقوف مع استعادة الدولة وصلاحيات المؤسسات، وإما الاستمرار في التبعية تحت عناوين واهية. فالتاريخ لا يرحم، ومن لم يتمايز اليوم عن مشروع الهيمنة، سيسقط معه