متفرقات

نظرية بن غوريون بطبعة إيرانية

ين دخان القذائف في السويداء وظلال الطائرات الإسرائيلية في السماء السورية، يتكشف المشهد الأقسى في تاريخ الدولة الوطنية الحديثة في المشرق، ليس فقط لأن مدينة سورية تتعرض للقصف من عدو معلن، بل لأن تلك الضربات تأتي باسم حماية الأقلية بينما تتراجع السلطة المركزية أيًا كانت هويتها إلى موقع المتهم، أو حتى “الخائن”.

ما يجري ليس حادثًا محليًا، ولا مجرد مواجهة بين الدولة وأحد مكوناتها بل هو التطبيق العملي بل الحرفي لنظرية دافيد بن غوريون التي وُضعت قبل سبعة عقود، وأعيدت صياغتها على الطريقة الإيرانية، وكأن المنطقة تتحول بلا إعلان رسمي إلى رقعة شطرنج تديرها تحالفات الأقليات ضد المركز العربي السني.

نظرية بن غوريون بطبعة إيرانية

في خمسينيات القرن الماضي، وضع دافيد بن غوريون ما عُرف لاحقًا بنظرية الأطراف أو العقيدة المحيطة التي قامت على ركيزتين متكاملتين،الأولى تتمثل في تحالفات خارجية مع دول غير عربية كإيران الشاه وتركيا وإثيوبيا، أما الثانية فتكمن في نسج علاقات سرية وعلنية مع الأقليات الدينية والقومية داخل الدول العربية، كالدروز والموارنة والأكراد والشيعة، انطلاقًا من فرضية أن شعور هذه الأقليات بالمظلومية يمكن استثماره كأداة لتفكيك الدولة من الداخل. لم تكن إسرائيل تهدف إلى التوسع الجغرافي بقدر ما كانت تسعى إلى تفجير الهويات الوطنية من الداخل، عبر دفع الأقليات إلى التمايز، ثم طلب الحماية، فتنشأ الكانتونات الطائفية، وتنهار فكرة الدولة الجامعة من أساسها.

في ما بعد، استنسخت إيران الثورة هذا النموذج بأسلوب مغاير، إنما بمضمون مطابق عبر خطاب “نصرة المستضعفين” سعت فيه طهران إلى تمكين ودعم الأقليات الشيعية أو القريبة منها مذهبيًا أو سياسيًا داخل الدول العربية، فباتت كل جماعة مهمّشة مرشحة لأن تكون ذراعًا في مشروعها التوسعي.

هكذا، تحوّلت الطوائف إلى أدوات جيوسياسية، في لبنان أصبح حزب الله جيشًا فوق الدولة ووسيلة ضغط إيرانية على القرار السيادي، في العراق، تَمثّلت الهيمنة عبر الأحزاب الشيعية ومليشيات الحشد الشعبي التي حلّت مكان المؤسسات، في اليمن جرى إطلاق الحوثيين كورقة ضغط دائمة على الخليج وفي البحرين والسعودية، فاستُثمرت بذلك المظلومية الشيعية لإثارة التفكك الداخلي. أما في سوريا، فارتبط نظام الأسد العلوي بإيران عبر عقد أمني ــ عقائدي، حوّله إلى وكيل دائم يتجاوز أي مفهوم للسيادة الوطنية، وبذلك، انهار فعليًا مفهوم الدولة الوطنية كما نشأ بعد الاستقلالات، لتحلّ مكانه صيغة جديدة دول ممزقة تتقاسم فيها الطوائف الحماية الخارجية بدل الانتماء الوطني.

استنسخت إيران الثورة هذا النموذج بأسلوب مغاير، إنما بمضمون مطابق عبر خطاب “نصرة المستضعفين” سعت فيه طهران إلى تمكين ودعم الأقليات الشيعية أو القريبة منها مذهبيًا أو سياسيًا داخل الدول العربية

السويداء: حلقة في سلسلة مخطط التفتيت

السويداء اليوم ليست سوى حلقة في هذا المخطط المتقادم، المدينة التي ظلت بمنأى عن فوضى الحرب المفتوحة طوال سنوات، وجدت نفسها فجأة أمام مواجهة مزدوجة، قصف عسكري من قوات الدولة بقيادة أحمد الشّرع، وتدخّل مباشر من إسرائيل، التي دمرت الدبابات السورية تحت شعار حماية الدروز. في لحظة واحدة، تحول الجيش السوري إلى معتدٍ في نظر إسرائيل، وتحول الدروز إلى حلفاء ظرفيين في تكرار مباشر لمعادلات بن غوريون.

الأكثر مفارقة أن الرئيس الذي اتُّهم سابقًا بأنه أداة صهيونية بات اليوم هدفًا لقصف إسرائيلي مباشر، فهل باتت إسرائيل تقصف من يخدم أجندتها؟ أم أن المفاهيم انهارت تمامًا، وتحولت كل جماعة إلى كيان يبحث عن حامٍ خارجي بدل دولة تحميه؟ وهل أصبحت الحماية الأجنبية مبرّرة حين تفشل الدولة في عقدها الاجتماعي؟ الأسئلة باتت تعلو على كل خطاب ممانع،من هو العدو، ومن هو الحليف، ومن يُعرَّف كخائن؟

في هذا السياق، لم تعد الدولة في منطقتنا كيانًا وظيفيًا فهي إما جهاز أمني طائفي، أو سلطة شكلية تُدار من الخارج، أو مؤسسة مشلولة تستجدي الاعتراف من ميليشيات محلية، أو فصائل ممولة خارجيًا، وكلما ضعف المركز تقوّت الأطراف وكلما شعرت أقلية بالتهميش، لجأت إلى الراعي الإقليمي الأقرب إيران أو إسرائيل.

ما يجري في السويداء لا يختلف جوهريًا عمّا جرى في بيروت 1975، أو كركوك بعد الغزو الأميركي، أو صنعاء حين تحوّلت إلى منصة صواريخ ،النتيجة واحدة أقلية مهمّشة، مركز ضعيف، وراعٍ خارجي، فتقوم كانتونات محمية بالقوة، تُخوَّن، ثم تُقصف، بينما يُجرَّم أبناؤها بالعمالة.

في هذا الانهيار الكامل للثوابت، تنهار مفاهيم السيادة والوطن والانتماء ،إذا كانت إسرائيل تقصف الجيش السوري، فهل تبقى الممانعة شعارًا قابلًا للتصديق؟ وإذا كانت إيران تبني جيوشها وميلشياتها داخل الدول، فهل تبقى لهذه الدول أي ملامح للاستقلال؟ وإذا كانت كل جماعة تبحث عن دولة حامية خارج حدودها، فهل يمكن الحديث عن وطن أصلاً؟ السويداء ليست تمردًا، بل عرض متقدّم لمرض مزمن اسمه فقدان الثقة بالدولة، وما لم تُعَد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق لا الولاءات، فإن المشروع المقبل هو خرائط مذهبية جديدة، شبيهة بتقسيمات سايكس ـ بيكو، لكن دون خرائط رسمية، بل على هيئة سجون طائفية تحرسها المدافع وتحكمها الغرائز.

في لحظة واحدة، تحول الجيش السوري إلى معتدٍ في نظر إسرائيل، وتحول الدروز إلى حلفاء ظرفيين في تكرار مباشر لمعادلات بن غوريون.

إن ما جرى في السويداء ليس مجرد قصف، ولا مجرد تمرّد إنه إعلان صامت عن انهيار المعنى، لا فقط انهيار السلطة ،هو إثبات قاطع بأن ما حلمت به إسرائيل لعقود، واشتغلت عليه إيران منذ الثورة، يحدث اليوم.

اليوم في قلب سوريا دولة تنهار، أقليات تبحث عن حماية، ومفاهيم تُستبدل بالذعر والوصاية. لقد سقطت الدولة، لا كسلطة فقط، بل كمعنى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى