الكاتبة الفلسطينية هيفاء الخطيب

الجوع كافر.. لكنه في غزة مؤمن!
بقلم: الكاتبة الفلسطينية هيفاء الخطيب- صيدا/ لبنان
انثروا القمح فوق رؤوس الجبال حتى لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين.. آآآ يا عمر !
قالت العرب: (الجوع كافر)
لكن غزة كسرت هذه المقولة لأن العرب قالوها، ولأن العرب يكذبون، ارادت غزة ان تقول للعالم لا الجوع في عزة مؤمن
فيا عرب لقد الجوع طرق كل الأمعاء في غزة، أكثر من مليون جائع يوجد في غزة اليوم، يزداد إيمانهم يوما بعد يوم، لقد جاع أبناء غزة، وانكسرت رجالها، وبكت أطفالها، وأهينت كرامة شيوخها وجوههم شاحبة وهتكت استار نسائها..
أجسادهم هزيلة، تاهت الامهات وسط طوابير المعونات، لا يخشين الموت اكثر من ان يلمس يدها جائع ينقض وضوءها، لعدم وجود ماء للشرب، فكيف للوضوء؟.
جاعت المدينة التي ما عرفت إلا الكرم، جاعت مدينة غزة هاشم ومسقط رأس الإمام الشافعي رضي الله عنه..
لقد جاعوا كما جاع نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم، وعُذبوا مثلما تعذب، وتهجروا مثلما تهجر، وفقدوا أحبتهم كما فقد أهله وناسه في شعب مكة..
يا عرب، يقول الله تعالى في كتابه الكريم ( ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) .
ان معركة الجوع ليست مجرد خبراً عاجلاً يتداولونه عبر وسائل الإعلام فقط، لقد اصبح وجع الوجع في غزة أقسى من الموت بالقصف، لأن الموت بتمزيق القنابل المحرمة، ارحم لأنها تقتل بسرعة، فلا يشعرون معها بالألم والذل..
لم يعد ثمة مجال للتفكير في معركة البطون الخاوية، وعندما يصبح أقصى الاحلام ان تحصل لك امك او زوجتك او ابنتك على كمشة طحين سقطت من كيس مسروق لتصنع منه لك ولأطفالك رغيف خبز..
واي صورة أبشع من هذه الذي يدل على انعدام الانسانية والنخوة والمروءة والشهامة.. في اقبح جريمة قتل جماعي لم يشهده تاريخ البشرية.
جوعت غزة وكل ذنبها أنها رفضت ان تموت راكعة ورفعت لواء التوحيد وراية الجهاد في الدفاع عن النفس وعن العرض والارض والدين!!
ان المأساة الكبرى تكمن في الحصار وفي من يغلق المعابر ويمنع الدواء والغذاء والذي اتخذ قرار سياسة التجويع سلاحاً للضغط على الشعب واخضاعه وتركيعه وانتهاك ابسط حقوقه الانسانية ولم يكن يتوقع الاعداء ومن عاونهم ثبات اهل غزة فاجتمعوا ودبروا كيدهم في ليل وتآمروا وخططوا ومارسوا كل الضغوطات، لكن غزة لم ترفع الراية البيضاء ..
بداية بالحصار ثم القتل والتدمير والتهجير ليقضوا على كل المقومات البسيطة التي كان الغزيون يسدون رمقهم بها، وليس هذا فحسب، بل سلطوا القتلة واللصوص والمرتزقة من العملاء وتجار الدم ليسرقوا ما يمكن ان يستقذه المواطن الغزي من المساعدات، ويزرعون الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني ويشكلون سلاحا اكثر فتكا من الجيوش والأسلحة الذكية، اذ يريدون تقطيع اوصال غزة من كافة النواحي ظنا منهم انها ستخضع وأنها سترضخ لهم ( وهل يؤلم الشاة سلخها بعد ذبحها).
عامان من الوجع والالم والمصائب، لا توجد عبارات تعبر عن وصفه، شيء يفوق الخيال ولا يصبر عليه إلا من أيده الله بقوته وتثبيته، فالصبر يا اهل غزة هو سلاحكم الأمضى في سبيل ة الله سبحانه وتعالى وهو الملاذ الآمن فمن اعتصم بهذا الوعي الإيمانيّ الذي تبثه مدارس الايمان العظيم من غزة، هو منارة للسالكين في بهيم ليل هذا العالم القاتم، انها مدرسة صبر أيوب وصفوة الانبياء الذين امتحن الله إيمانهم، فصبروا وانتصروا وأطهرهم الله على الناس..
فالسنة الإلهيه تثبت دائماً ان الصراع مستمر بين الحق والباطل الى أن تقوم الساعة( والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون) .
اراد اعداء الدين لغزة الانكسار فلم تنكسر لكنها. ستنهض أشد .
ارادوا لها الموت لكنها لا تزال حية بإيمان لا يقهر وبعزيمة صلبه.
ارادوا محو ذاكرتها فاصبحت ذاكرة العالم أجمع.
ستكمل غزة الطريق وتحمل أوجاعها وتمضي بدم الأحبة وعذابات الحرائر وقهر الرجال، وأنين الأطفال الجوعى تكتب حريتها وبصبر فاق صبر الأولين والآخرين ترسم نصرها من جديد .
في النهاية سيبقى اهل غزة الصخرة التي يتحطم عليها جبروت أعدائهم لأن سلاح الحق والإرادة والصمود اقوى من القوة العسكرية وان ما يجري على ارض غزة اليوم هو وسام شرف وعزة ستكلل به أبناءها الى يوم الدين وهو وصمة عار على جبين الترسانة العسكرية العربية والاسلامية، قبل ترسانة الأعداء
الظالمين .




