متفرقات

تداعيات الحرب على الأسواق العالمية: المنطقة تُمسك بأوردة الطاقة الأكثر حيويةً للإقتصاد الآسيوي والأوروبي

تداعيات الحرب على الأسواق العالمية: المنطقة تُمسك بأوردة الطاقة الأكثر حيويةً للإقتصاد الآسيوي والأوروبي

تداعيات الحرب على الأسواق العالمية: المنطقة تُمسك بأوردة الطاقة الأكثر حيويةً للإقتصاد الآسيوي والأوروبي

“ليبانون ديبايت” – باسمة عطوي

لا تقتصر تداعيات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران على إقتصادات دول المنطقة فحسب، بل أيضا على الإقتصاد العالمي والأسواق كون البلدان مرتبطان بأسواق الطاقة والتجارة العالمية. ولذلك فالتداعيات ستكون في عدة قطاعات رئيسية، أبرزها إرتفاع أسعار النفط والطاقة لأن منطقة الخليج تنتج جزءاً كبيراً من النفط العالمي، وأي حرب تهدد الإمدادات يؤثر ذلك على الأسعار وينعكس زيادة في تكلفة النقل والصناعة والطاقة عالمياً وإرتفاع التضخم في معظم الدول. كما أن التداعيات تطال أسواق الأسهم العالمية، فعند عند إندلاع الحروب يميل المستثمرون إلى بيع الأسهم بسبب عدم اليقين، والخوف من ركود إقتصادي وإرتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج.كما أن إرتفاع أسعار الطاقة والتوتر الجيوسياسي، قد يؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وزيادة التضخم وتشديد السياسات النقدية، وهذا قد يقود إلى ركود عالمي جزئي إذا طال أمد الحرب.

 في المقابل في الأزمات الجيوسياسية يتجه المستثمرون إلى الذهب لأنه ملاذ آمن، ولذلك رأينا أن أسعار الذهب إرتفعت 2 بالمئة بعد الضربات العسكرية. كما إرتفع الطلب على الدولار الأمريكي والسندات الحكومية وأحياناً الفرنك السويسري. الدولار غالباً يرتفع بسبب الطلب عليه كملاذ آمن، أما العملات الرقمية مثل البيتكوين قد تتراجع أو تتقلب بشدة بسبب خروج المستثمرين من الأصول الخطرة.

قانصو: الإقتصاد العالمي في مرحلة حساسة!

يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور واجب قانصو ل”ليبانون ديبايت”، تداعيات الحرب الدائرة على الأسواق العالمية، بحسب القطاعات الإقتصادية، ففي القطاع النفطي ، يشدد على أنهلا يمكن فهم الأثر الاقتصادي لهذه الحرب دون إستيعاب الثقل الهائل لمضيق هرمز في منظومة الطاقة العالمية. إذ يمرّ عبر هذا الممر المائي الضيّق البالغ عرضه 33 كيلومتراً فحسب ما يزيد على 20 مليون برميل نفط يومياً، تمثّل خُمس إجمالي الاستهلاك العالمي، فضلاً عن 20بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم”.

 يضيف:”منذ إندلاع العمليات العسكرية، قفزت أسعار خام برنت القياسي بنسبة 10 إلى 13 بالمئة في غضون أيام، لتبلغ نحو 80 إلى 82 دولاراً للبرميل، قادمةً من مستويات كانت تحوم حول 70 دولاراً. وبمجرد إعلان إيران تعليق حركة الملاحة التجارية في المضيق، إشتعل الذعر في أسواق الطاقة، وبدأت تكاليف شحن النفط الخام من الشرق الأوسط إلى الصين ترتفع بأكثر من 94 بالمئة في جلسة واحدة. المحللون يُحذّرون من أن إستمرار هذا الإغلاق قد يدفع الأسعار لإختراق حاجز 100 دولار للبرميل، وهو مستوى لم تبلغه الأسواق منذ سنوات”، موضحا أن “الدول الأكثر تضرراً في هذا السياق هي الإقتصاديات الآسيوية الكبرى، إذ تعتمد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعةً على أكثر من 75 بالمئة من صادرات نفط الخليج المارّة عبر هرمز. وقد سارعت حكومات هذه الدول إلى تفعيل إحتياطياتها الإستراتيجية والبحث عن مصادر بديلة، غير أن البدائل محدودة وتحمل أسعاراً مرتفعة”.

الغاز أزمة أوروبية بإمتياز!

في ما يتعلق بالغاز الطبيعي، يجزم قانصو بأنها “أزمة أوروبية بإمتياز إذ لا يقلّ تأثير الصراع على أسواق الغاز الطبيعي المسال خطورةً عن تداعياته النفطية. قطر، المُنتج العملاق للغاز المُسال، تعرّضت بُنيتها التحتية لإضطرابات بالغة، مما أجبرها على خفض صادراتها. النتيجة؟ إرتفعت أسعار الغاز الأوروبي بصورة شبه مضاعفة خلال أيام”، مُشيرا إلى أن ما يميّز سوق الغاز المسال عن النفط هو غياب الطاقة الإحتياطية الفائضة، ما يعني أن أي إضطراب في الإمدادات يترجم فوراً إلى ارتفاعات حادة في الأسعار دون أي إمتصاص ممكن. وتزيد الأمور تعقيداً حقيقة أن أوروبا كانت تُعاني أصلاً من مستويات منخفضة في مخزوناتها مع نهاية موسم الشتاء، مما دفع شركات الطاقة الأوروبية إلى إبتلاع فواتير باهظة لشراء الغاز من السوق الفورية في الولايات المتحدة وأفريقيا”.

الأسهم والبورصات – موجة بيع عالمية

في ما يخص الأسهم والبورصات يرى قانصو أن “ردود فعل أسواق الأسهم لم تُفاجئ أحداً ممن يتابعون سلوكها الكلاسيكي في أوقات الأزمات الجيوسياسية. فمنذ اليوم الأول لإنفتاح الأسواق إثر إندلاع الحرب، شهدنا موجة بيع واسعة إمتدت من وول ستريت إلى بورصات آسيا وأوروبا”، لافتا إلى “تراجع مؤشر داو جونز الأمريكي بأكثر من 900 نقطة عند إفتتاح الجلسة، فيما سجّل ناسداك إنخفاضاً تجاوز 1.8 بالمئة. الأسواق الأوروبية لم تكن بمعزل عن هذا الهلع، إذ أنهى مؤشر ستوكس 600 جلسةً وسط خسائر تجاوزت 3.2 بالمئة، مع تسجيل الأسهم الألمانية والإيطالية أشد الانخفاضات”، ويوضح أنه “بحسب التقديرات، بلغ إجمالي خسائر القيمة السوقية على مستوى الأسهم العالمية ما يزيد على 3.2 تريليون دولار خلال 96 ساعة فقط. في حين أن أسهم شركات الدفاع والأسلحة إرتفعت بحدة، وكذلك أسهم شركات النفط والغاز العاملة خارج منطقة النزاع هذا النمط التاريخي المتكرر يُذكّرنا بأن الحروب لا تُفقر الأسواق في مجملها، بل تُعيد توزيع القيمة بين الفائزين والخاسرين”.

الذهب – الملاذ الامن

 يشدد قانصو أن “الذهب لم يخذل أبداً المستثمرين الباحثين عن الأمان في لحظات الاضطراب الكبرى. ما إن أُعلن عن إندلاع العمليات العسكرية حتى إرتفعت عقود الذهب الآجلة بنسبة 1.2 بالمئة لتبلغ 5,334 دولاراً للأونصة في أولى جلسات التداول، في موجة شراء تعكس التدفق الكلاسيكي نحو الأصول الآمنة”، شارحا أنه “تاريخياً، الأزمات الجيوسياسية الكبرى تُمثّل وقوداً مثالياً لارتفاع الذهب. وفي هذه الأزمة تحديداً، يتضافر عدد من العوامل الداعمة: ارتفاع مخاوف التضخم، وضعف الثقة في الأسواق، وتصاعد الطلب على التحوّط. التوقعات السائدة تُشير إلى استمرار هذا الاتجاه الصعودي ما لم تتبلور نهاية واضحة للنزاع”.

الشحن البحري والطيران

في ما يتعلق بقطاع الشحن البحري والطيران ، يشرح قانصو أن “تحويل مسارات ناقلات النفط والسفن التجارية عبر رأس الرجاء الصالح بدلاً من مضيق هرمز، يُضيف ما بين 10 و15 يوماً على كل رحلة ذهاباً وإياباً بين آسيا وأوروبا، مما يُضخّم تكاليف الوقود والتشغيل بصورة كبيرة. وقد قفزت أسعار التأمين البحري بنسبة قد تبلغ 50 بالمئة، بل أعلن عدد من كبار المؤمّنين وقف تغطيتهم لمخاطر الحرب في المنطقة اعتباراً من 5 مارس 2026”.

 يضيف:”على صعيد الطيران، أُغلقت الأجواء في الإمارات وقطر والكويت والبحرين والعراق وسوريا، وعلّقت شركات كبرى كبريتيش إيرويز ولوفتهانزا وكاثاي باسيفيك وإير إنديا وفيرجن أتلانتيك رحلاتها إلى المنطقة. التقديرات تشير إلى إلغاء أكثر من 4,000 رحلة يومياً، مع تشريد مئات الآلاف من المسافرين وخسائر فادحة في قطاع السياحة الخليجي”.

ما الذي ينتظر الأسواق العالمية؟

يجيب قانصو هناك عدة سيناريوهات في ما يتعلق بالمستقبل القريب، السيناريو الأول: إذا تم وقف اطلاق النار خلال أسابيع وإحتماله متوسط، فإن الأثر على النفط سيكون بالعودة إلى 70-75 بالمئة وستكون الأزمة مؤقتة وقابلة للإحتواء.السيناريو الثاني هو الإستمرار محدود للنزاع وإحتمال ذلك مرتفع، فإن الأثر سيكون بوصول برنت عند 85-95 بالمئة مما سيؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو. أما السيناريو الثالث فهو إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة وهو خطر قائم، مما سيؤدي الى ارتفاع سعر برميل النفط الى ما فوق الـ100 دولار وبالتالي إحتمال حصول ركود عالمي”.

ما هي التوصيات في هذه المرحلة للمستثمرين؟

يجيب قانصو:

  • الابتعاد عن أسهم شركات الطيران والسياحة، شركات الشحن في منطقة الخليج، الأسواق الناشئة الآسيوية المعتمدة على نفط الخليج، والسندات ذات العائد المرتفع في الاقتصادات الهشة.
  • النظر بإيجابية نحو الذهب كتحوّط ضد التضخم والاضطراب، أسهم شركات الدفاع والصناعات العسكرية، شركات النفط والغاز العاملة خارج منطقة النزاع، الدولار الأمريكي والفرنك السويسري كملاذات آمنة، والسندات الحكومية الأمريكية طويلة الأمد.
  • المراقبة الدقيقة لـمضيق هرمز هو المؤشر الوحيد الذي سيُحدّد ما إذا كانت هذه أزمة مؤقتة تُتاح فيها فرص الشراء، أم صدمة اقتصادية عالمية حقيقية ذات آثار بنيوية طويلة الأمد.

 ويختم:”لقد دخل الاقتصاد العالمي مرحلةً بالغة الحساسية. ليست هذه المرة الأولى التي تُهدّد فيها توترات الشرق الأوسط الاستقرار المالي الدولي، لكنها ربما تكون الأعمق تأثيراً منذ أزمة النفط عام 1973، ذلك أن المنطقة تُمسك الآن بأوردة الطاقة الأكثر حيويةً للإقتصاد الآسيوي والأوروبي معاً”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى