بين الإحتلال والوصاية… من يعطّل إتفاق الإطار؟

ليبانون ديبايت” – فادي عيد
لا تبدو العقبة الأساسية أمام استكمال الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان محصورة بتشدّد حكومة بنيامين نتنياهو، بل تمتد إلى طهران التي تعتبر أن لبنان إحدى أهم أوراقها في معادلة النفوذ الإقليمي. فمنذ التوصل إلى اتفاق الإطار، برز صراع يتجاوز الحدود الجنوبية ليطال جوهر القرار اللبناني، فالسؤال المطروح هنا، هل تستعيد الدولة سيادتها الأمنية، أم يبقى الجنوب ورقة تفاوض إيرانية؟
على هذا السؤال يجيب مصدر سياسي، أن الدولة اللبنانية تسعى لتحويل اتفاق وقف إطلاق النار إلى فرصة لإعادة تثبيت سلطتها، عبر معادلة تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي، يقابله انتشار الجيش اللبناني وخلو المناطق الحدودية من أي وجود مسلّح خارج إطار الدولة، فإذا نجحت هذه التجربة في عدد أكبر من البلدات، فإنها قد تشكل نموذجاً قابلاً للتعميم على كامل الجنوب.
غير أن هذا المسار، بحسب المصدر، يثير قلقاً إيرانياً واضحاً، لأن نجاح الجيش اللبناني في الإمساك بالأرض سيضعف الحجة التي تبرر استمرار السلاح خارج مؤسّسات الدولة، كما سيقلص قدرة طهران على استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط في مفاوضاتها الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لذلك، تبدو إيران حريصة على إبقاء الملف اللبناني مرتبطاً بحساباتها الإقليمية، وهو ما يفسّر تمسك مسؤوليها بخطاب يعتبر أن أي استقرار في لبنان أو المنطقة لا يمكن أن يتحقّق إلا عبر دورها المباشر، كما يعكس استمرار ربط قرار “حزب الله” بالتطورات الإقليمية أكثر مما يرتبط بحسابات الدولة اللبنانية.
في المقابل، يتابع المصدر، يجد بنيامين نتنياهو في هذا الواقع فرصة لتعزيز مواقفه، فهو يوظف استمرار الإنقسام اللبناني لتبرير بقاء قواته داخل الأراضي اللبنانية، مدعياً أن الجيش اللبناني غير قادر وحده على ضمان أمن الحدود في ظل وجود السلاح خارج الدولة. كما يستخدم الملف اللبناني في حساباته السياسية الداخلية، مستفيداً من خطاب اليمين الإسرائيلي الداعي إلى الإبقاء على مناطق عازلة على الحدود، وهكذا، تتقاطع المصالح بصورة غير مباشرة، فإسرائيل تستثمر استمرار السلاح خارج الدولة لتبرير احتلالها، بينما ترى إيران في استمرار الإحتلال مبرّراً للإبقاء على هذا السلاح، أما الخاسر الأكبر فهو الدولة اللبنانية التي تجد نفسها عالقة بين مشروعين متعارضين في الشكل، لكنهما يعرقلان معاً استعادة سيادتها.
في مواجهة هذا الواقع، يرى المصدر السياسي، أن بيروت تراهن على توسيع شبكة الدعم العربي والدولي، بحيث شهدت الأشهر الأخيرة تحولاً ملحوظاً في مواقف عدد من الدول العربية التي باتت تعتبر أن حصر السلاح بيد الدولة يشكل المدخل الأساسي لاستقرار لبنان ومنع تكرار الحروب. كما يواصل الأوروبيون، وفي مقدمتهم الفرنسيون، دعمهم للمؤسسات اللبنانية ولانتشار الجيش في الجنوب، وتسعى الدولة اللبنانية لاستثمار هذا التأييد لإقناع الإدارة الأميركية بممارسة ضغط أكبر على إسرائيل لاستكمال الإنسحاب، مقابل التزام واضح بتوسيع انتشار الجيش وتعزيز سلطة الدولة على الحدود.
لكن نجاح هذه المقاربة، بحسب المصدر، يبقى مرهوناً بقدرة لبنان على منع ربط مصيره بالمفاوضات الإقليمية، فكل تقدم يحقّقه الجيش على الأرض يقابله سعي لإبقاء القرار اللبناني رهينة التوازنات بين طهران وواشنطن، فيما يستغل نتنياهو هذا التعقيد لتأجيل أي انسحاب كامل.
ويعتبر المصدر السياسي، أن المعركة لم تعد تدور حول بضعة كيلومترات في الجنوب، بل حول من يمتلك قرار الحرب والسلم في لبنان، فإذا تمكنت الدولة من تثبيت نموذج انتشار الجيش وتوسيع المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، فإنها ستكون قد خطت خطوة مهمة نحو استعادة سيادتها، أما إذا نجحت إيران في الإبقاء على الورقة اللبنانية ضمن حساباتها الإقليمية، فسيظل اتفاق الإطار معلقاً، وسيبقى الجنوب ساحة مفتوحة لصراع النفوذ، فيما تتأجل مرة جديدة فرصة لبنان لبناء دولة تحتكر قرارها وسلاحها.




