أزمة سبتة تتفاقم… عشرات الآلاف يعبرون وإيطاليا تشدد حدودها مع إسبانيا

تعيش أوروبا واحدة من أكبر أزمات الهجرة منذ سنوات، بعدما قدرت السلطات الإسبانية عدد الأشخاص الذين تمكنوا من دخول جيب سبتة بنحو 60 ألف مهاجر خلال أيام قليلة، قبل أن تعلن وزارة الداخلية الإسبانية إعادة أكثر من 48 ألفاً منهم إلى المغرب، في عملية واسعة لإعادة فرض السيطرة على الحدود. كما أسفرت الأزمة عن مقتل ما لا يقل عن 34 شخصاً، معظمهم غرقاً أثناء محاولات العبور، وفق الأرقام الرسمية الإسبانية.
وتُعد هذه الأرقام أكبر بكثير من أزمة عام 2021، عندما دخل نحو 12 ألف مهاجر إلى سبتة ومليلية خلال أيام معدودة، ما يجعل الأزمة الحالية الأكثر اتساعاً منذ سنوات.
انقسام أوروبي
وامتدت تداعيات الأزمة سريعاً إلى داخل الاتحاد الأوروبي، إذ أعلنت إيطاليا فرض ضوابط حدودية مؤقتة على حدودها مع إسبانيا، معتبرة أن الإجراء ضروري لحماية أمنها وحدود الاتحاد، فيما أكدت مدريد أن “سلامة منطقة شنغن مضمونة”، مشددة على أن أي شخص يدخل سبتة لا يستطيع الانتقال إلى البر الإسباني إلا بعد الخضوع لتفتيش أمني وتدقيق في الهوية.
وأثار الموقف الإيطالي موجة تباين داخل أوروبا، بعدما دعمت فنلندا والدنمارك الدعوات إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشدداً، في حين سارعت فرنسا إلى تعزيز الرقابة على حدودها مع إسبانيا وزيادة عديد قوات الشرطة والدرك، كما أعلنت البرتغال تشديد إجراءات المراقبة على حدودها الجنوبية.
في المقابل، رفض الاتحاد الأوروبي فكرة استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن، مؤكداً أن القوانين الأوروبية لا تتضمن أي آلية قانونية تسمح بطرد دولة عضو من الاتفاقية، فيما تسمح فقط بإعادة فرض الرقابة الحدودية بصورة مؤقتة عند وجود تهديد خطير للأمن أو تدفقات واسعة للمهاجرين.
لماذا انفجرت الأزمة الآن؟
ويرى خبراء أن الأزمة تعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في الثامن من تموز الماضي، حدّ من إمكانية الإعادة الفورية للمهاجرين الذين يصلون بحراً، إضافة إلى توقعات بإجراءات حكومية جديدة لتسوية أوضاع بعض المهاجرين غير النظاميين، وهو ما عزز الاعتقاد بإمكانية البقاء داخل الأراضي الإسبانية.
لكن محللين يشيرون أيضاً إلى عامل سياسي يتمثل في موقف السلطات المغربية، إذ اعتبر بعض المختصين أن حجم التدفق يوحي بأن الأجهزة الأمنية المغربية خففت إجراءاتها على الحدود، وهو ما أعاد إلى الواجهة اتهامات قديمة باستخدام ملف الهجرة كورقة ضغط في العلاقات بين الرباط ومدريد، في ظل استمرار الخلاف حول سيادة المغرب على سبتة ومليلية، وهو ما ترفضه إسبانيا بصورة قاطعة.
أزمة تتجاوز الحدود
ولا تقتصر أهمية سبتة على كونها نقطة عبور للمهاجرين، بل تمثل الحدود البرية الوحيدة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي، ما يجعل أي اضطراب فيها قضية أوروبية بامتياز.
ورغم المشاهد التي أوحت لكثيرين بأن المهاجرين وصلوا إلى أوروبا، فإن الواقع مختلف؛ إذ لا يستطيع من يدخل سبتة الانتقال تلقائياً إلى الأراضي الإسبانية أو بقية دول الاتحاد، بل يبقى داخل الجيب الخاضع لإجراءات أمنية صارمة، فيما تواصل السلطات عمليات الفرز وإعادة القسم الأكبر من الوافدين إلى المغرب.
وبينما تمكنت مدريد من إعادة عشرات الآلاف خلال أيام، فإن الأزمة كشفت مجدداً هشاشة سياسة الهجرة الأوروبية، وأعادت إلى الواجهة الانقسامات داخل الاتحاد بشأن حماية الحدود، وتقاسم المسؤولية، والتعامل مع موجات الهجرة القادمة من الضفة الجنوبية للمتوسط.




