متفرقات

6 من كل 10 أطفال لا يفهمون ما يقرأون: أي مستقبل عربي؟

غاندي المهتار – “النهار”

ليست المشكلة أن ملايين الأطفال العرب لا يذهبون إلى المدرسة. المشكلة الأشد رعباً أن كثيرين منهم يذهبون إليها كل صباح، يحملون حقائبهم، يجلسون في الصفوف، ينجحون من سنة إلى أخرى، ثم يبلغون العاشرة وهم عاجزون عن قراءة نص بسيط وفهم معناه.

 

تقول اليونيسف إن 6 من كل 10 أطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهمه في سن العاشرة. وهو ما يُعرف بـ”فقر التعلّم”، أي أن يكون الطفل في المدرسة من دون أن يمتلك المفتاح الأساسي الذي يسمح له بالتعلّم.

وهنا تكمن الكارثة. فمن لا يفهم ما يقرأه في العاشرة، كيف سيدرس العلوم في الثانية عشرة؟ وكيف سيحل مسألة رياضية مكتوبة؟ وكيف سيبحث، ويحلل، ويميّز لاحقاً بين معلومة صحيحة وأخرى زائفة؟

 

مدارس تعلّم الامتحان لا القراءة

جزء كبير من المشكلة يبدأ من فلسفة التعليم نفسها. ما زالت أنظمة عربية كثيرة تكافئ الحفظ أكثر من الفهم، والإجابة النموذجية أكثر من السؤال، واستظهار النص أكثر من مناقشته. يصبح النجاح هو الحصول على العلامة، لا اكتساب المهارة.

حتى تعليم اللغة العربية يعاني مشكلة خاصة. فالطفل يدخل المدرسة متحدثاً بلهجته المحلية، ثم يُطلب منه فجأة التعامل مع العربية الفصحى قراءة وكتابة. هذه الازدواجية ليست سبباً للفشل بحد ذاتها، لكنها تحتاج إلى طرائق تعليم مدروسة لا إلى المزيد من القواعد والحفظ. ويشير البنك الدولي إلى أن ضعف التعرض المبكر للفصحى، وقلة القراءة للأطفال قبل المدرسة، وأساليب التدريس الجامدة كلها عوامل تساهم في أزمة القراءة في المنطقة.

 

ثم يأتي الفقر. في بيت لا توجد فيه كتب، ولا وقت لدى الأهل للقراءة مع أطفالهم، ولا تعليم مبكر جيد، يبدأ الطفل السباق متأخراً. وتأتي الحروب والنزوح والأزمات الاقتصادية لتجعل المدرسة نفسها امتيازاً غير مضمون في أجزاء واسعة من المنطقة. وقد حذرت اليونيسف من أن الانقطاع الطويل عن التعليم يرفع خطر التسرب الدائم ويضر بالتطور المعرفي والاجتماعي للأطفال.

 

الأمية الجديدة أخطر

لطالما احتفل العالم العربي بانخفاض معدلات الأمية التقليدية. لكن أن تعرف الحروف لا يعني أنك قارئ. وأن تستطيع نطق الكلمات لا يعني أنك تفهمها.

هذه هي الأمية الجديدة: طفل يستطيع قراءة الصفحة بصوت مرتفع، لكنه لا يستطيع تفسير ما قرأه أو استخلاص فكرة منه.

وتداعياتها لا تبقى في الصف. فضعف المهارات الأساسية ينتقل لاحقاً إلى الجامعة وسوق العمل والإنتاجية والقدرة على إعادة التأهيل المهني، ويمكن أن يساهم في انتقال الفقر والهشاشة من جيل إلى آخر.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تصبح المفارقة أكثر قسوة. نحن نتحدث عن تعليم أطفال البرمجة والروبوتات واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما لم نضمن بعد أن يفهم معظمهم فقرة مكتوبة بلغتهم.

الحل لذلك لا يبدأ بإضافة أجهزة لوحية إلى الصفوف، بل بالعودة إلى الأساس: “طفولة مبكرة جيدة، معلم مؤهل، مكتبة، كتاب جذاب، ساعات فعلية للقراءة، وامتحان يقيس الفهم لا الحفظ”.

إن الدولة التي لا يستطيع أطفالها أن يقرأوا ويفهموا في سن العاشرة، لن تعاني بعد 10 سنوات أزمة تعليم فقط، ستعاني أزمة اقتصاد وإنتاجية ومواطنة ومستقبل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى