مفاجأة علمية: الخلية نفسها تحدد ما إذا كان فيروس الهربس سينشط أم يختبئ

خلال جائحة كورونا، اعتدنا الحفاظ على مسافة آمنة وارتداء الكمامات بهدف تقليل عدد الجسيمات الفيروسية التي تدخل إلى الجسم.
ولكل عامل ممرض جرعة معدية دنيا، يؤدي تجاوزها إلى تطور المرض، وغالبا ما ترتبط زيادة الجرعة بشدة أكبر في مسار العدوى.
لكن علماء الفيروسات كانوا يقيمون هذا الحد على مستوى الجسم بأكمله، إلى أن أظهر باحثون من مختبر نوام شتيرن-جينوسار في معهد وايزمان للعلوم أن الخلية الواحدة لديها أيضا حد خاص بها لقابلية الإصابة بالفيروس.
فيروس الهربس بين النشاط والكمون
فيروس الهربس ( مصدر الصورة: معهد وايزمان للعلوم )
ركزت الدراسة على فيروسات الهربس، وهي عوامل ممرضة قادرة ليس فقط على التكاثر بنشاط داخل الخلية، وإنما أيضا على الدخول في حالة سبات أو كمون.
فعلى سبيل المثال، يصيب الفيروس المضخم للخلايا البشري معظم سكان العالم، لكنه عادة لا يسبب أعراضا واضحة حتى يضعف الجهاز المناعي.
وتعد الخلايا الوحيدة، وهي نوع من خلايا الدم، إحدى البيئات التي يمكن أن يختبئ فيها الفيروس، إذ يبقى داخلها من دون التسبب في عدوى نشطة.
أما الخلايا البلعمية، التي يمكن أن تتحول إليها الخلايا الوحيدة، فعادة ما تتعرض لعدوى كاملة ونشطة.
ولفترة طويلة، اعتقد العلماء أن الخلايا الوحيدة تثبط الفيروس من خلال تكثيف الحمض النووي الخاص به، لكن الباحثين اكتشفوا أن الآلية مختلفة.
جرعة العدوى تختلف حسب نوع الخلية
خلص الباحثون إلى أن خلايا الجسم لديها على ما يبدو جرعة معدية دنيا ضرورية لبدء عدوى نشطة، وأن هذه الجرعة تختلف وفقا لنوع الخلية.
وأوضح المختصون أن إصابة الخلية بجرعة فيروسية أقل من هذا الحد قد تؤدي، في بعض الحالات على الأقل، إلى دخول الفيروس في حالة سبات أو كمون.
مستقبلات أكثر تعني فيروسات أكثر
يبدأ الاختلاف منذ مرحلة دخول الفيروس إلى الخلية.
فالخلايا البلعمية تنتج كميات أكبر من بعض البروتينات الموجودة على سطح الخلية، وهي البروتينات التي يرتبط بها الفيروس، ولذلك يدخل إليها عدد أكبر من الجسيمات الفيروسية.
وعندما استخدم الباحثون الهندسة الوراثية لإضافة مستقبلات الفيروس المضخم للخلايا إلى الخلايا الوحيدة، ارتفع معدل دخول الجسيمات الفيروسية بمعدل 15 مرة في المتوسط، وقفزت نسبة حالات العدوى النشطة بشكل كبير.
كيف يتغلب الفيروس على دفاع الخلية؟
أظهرت المرحلة التالية من البحث كيف يتمكن الفيروس من تجاوز دفاعات الخلية.
فالبروتينات التي ينتجها الفيروس في المراحل المبكرة تعمل على تدمير أجسام نووية تضغط جينوم الفيروس وتحافظ عليه في حالة غير نشطة.
وفي الوقت نفسه، تدفع هذه البروتينات الخلية إلى تراكم اللبنات الأساسية اللازمة لتصنيع الحمض النووي، ثم يستولي الفيروس على هذه الموارد ويستخدمها في عملية تكاثره.
وأظهرت النتائج أن تدمير الأجسام النووية وحده يكفي لإيقاظ فيروس الهربس الموجود في حالة سبات.
ويشير الباحثون إلى أنه كلما زاد عدد البنى الدفاعية داخل الخلية، وقلت كمية اللبنات الأساسية الحرة المتاحة فيها، ارتفع حد الجرعة الفيروسية التي يجب على الفيروس تجاوزها حتى يتمكن من بدء عدوى نشطة.
لماذا تختلف استجابة الخلايا للهربس؟
تشير الدراسة إلى أن قدرة فيروس الهربس على التكاثر لا تعتمد فقط على كمية الفيروس التي تصل إلى الجسم، بل تتأثر أيضا بخصائص الخلية التي يصل إليها.
فقد تدخل كمية من الفيروس إلى خلية معينة ولا تتجاوز حدها اللازم لبدء العدوى النشطة، فيبقى الفيروس في حالة كمون.
أما إذا وصلت كمية أكبر من الفيروس، أو كانت الخلية أكثر قابلية لدخوله بسبب وجود عدد أكبر من المستقبلات، فقد يتمكن الفيروس من تجاوز دفاعاتها وبدء دورة تكاثر نشطة.
وتساعد هذه النتائج على فهم سبب قدرة فيروسات الهربس على البقاء كامنة داخل بعض الخلايا لفترات طويلة، ثم إعادة تنشيطها في ظروف معينة.
المصدر: النهضة نيوز




