من لبنان إلى العالم: كفاءات تعمل مع شركات أجنبية وتستقطب الدولارات!

ليبانون ديبايت
أدخل الانهيار المالي وإزدياد معدلات البطالة أنماطا جديدة من العمل في لبنان. ففي الوقت الذي تنتهي فيه ساعات العمل لدى كثيرين عند الساعة الخامسة مساءا، يبدأ دوام آخر لدى شباب لبنانيين كُثر يعملون عن بُعد مع شركات في الولايات المتحدة وأوروبا. شاشة مضاءة حتى ساعات متأخرة واجتماعات تتزامن مع نهار الخارج، ونمط حياة يُعاد تنظيمه ليتناسب مع توقيت لا يشبه توقيت البلد الذي يعيشون فيه.
إذا يتنامى إهتمام الشباب اللبناني بالعمل الرقمي والوظائف العابرة للحدود، في ظل ندرة الوظائف في لبنان خصوصا في ظل العدوان الاسرائيلي المستمر. ولم يعد العمل مع شركات أجنبية يتطلّب الهجرة، إذ تتيح الوظائف عن بُعد الوصول إلى أسواق عمل خارجية وتحقيق دخل بالعملة الأجنبية، في ظلّ الضغوط الاقتصادية التي تجعل البحث عن فرص أفضل أولوية لدى كثيرين.
أغلب هذه الوظائف تتمحور حول تطوير البرمجيات، وتحليل البيانات والتسويق الرقمي والتصميم والخدمات المهنية، لكن ما حجم هذه الظاهرة فعلياً؟ وكم تساهم في إدخال العملات الأجنبية إلى الاقتصاد اللبناني؟
منصة “Jobs for Lebanon” هي من المُبادرات، التي تعمل على ربط اللبنانيين بفرص العمل الدولية، وتهدف إلى وصل الكفاءات اللبنانية بالشركات وأصحاب العمل حول العالم، بما في ذلك أفراد الجاليات اللبنانية في الخارج الراغبون في توظيف أشخاص من لبنان. وتعرض المنصة على موقعها الإلكتروني أكثر من 53 ألف مرشح و641 وظيفة معلنة، وفق الأرقام المنشورة على المنصة في تشرين الأول الحالي، كما تشير صفحة التعريف بها إلى أنها ساهمت في توظيف أكثر من ألف شخص.
وتشمل الوظائف المنشورة مجالات متنوعة، من الهندسة والتكنولوجيا إلى المبيعات وخدمة العملاء والخدمات المهنية. إلا أن هذه الأرقام تعكس نشاط المنصة وقاعدة المرشحين والوظائف المعروضة عليها، ولا تمثل إحصاءً لجميع اللبنانيين العاملين عن بُعد، كما لا تعني أن جميع الوظائف المُعلنة تعود إلى شركات أجنبية أو أن كل المرشحين حصلوا على عمل. لكن تقدم هذه المبادرات مؤشراً على وجود قنوات تربط المهارات المحلية بالطلب الخارجي، من دون ان تكفي وحدها لقياس حجم سوق العمل العابر للحدود في لبنان.
ما يمكن تسجيله هو إختلاف طبيعة العلاقات المهنية في هذا المجال. فبعض اللبنانيين يعملون بعقود توظيف مباشرة مع شركات أجنبية، ويتقاضون رواتب منتظمة، فيما يعمل آخرون بوصفهم متعاقدين مستقلين يقدمون خدماتهم لمجموعة من العملاء، أو ينفذون مشاريع محددة مقابل أتعاب. وهذا التمييز أساسي عند تقييم حجم الظاهرة وأثرها الاقتصادي والاجتماعي، فالموظف الذي يعمل بعقد منتظم قد يتمتع باستقرار وظيفي نسبي، فيما قد يواجه المُستقل تقلباً في دخله تبعاً لحجم المشاريع والطلب الخارجي، كذلك تختلف الالتزامات القانونية والضريبية والاجتماعية باختلاف طبيعة العلاقة التعاقدية.
22 ألف عامل في البرمجة عن بُعد؟
في تشرين الأول 2024، أورد تقرير صحفي تقديراً بنحو 22 ألف شخص يعملون في البرمجة عن بُعد في لبنان، مع الإشارة إلى أن مداخيل بعض العاملين قد تصل إلى أربعة آلاف دولار شهرياً.غير أن الرقم منسوب إلى تقدير خبير في التحول الرقمي، وليس إلى إحصاء رسمي شامل. وتؤكد هذه المعطيات وجود نشاط مهني مرتبط بالأسواق الدولية، لكنها تكشف أيضاً عن فجوة في البيانات: فلا يتوافر حتى الآن رقم رسمي شامل يحدد عدد اللبنانيين الذين يعملون من داخل البلاد لمصلحة شركات أجنبية، أو إجمالي الرواتب والإيرادات التي يحصلون عليها سنوياً.
دولارات من الخارج… وأثر في الاقتصاد ؟
تتمثل إحدى أبرز الفوائد الاقتصادية للعمل عن بُعد في إمكانية حصول العاملين على دخل من الخارج، ثم إنفاق جزء منه داخل لبنان على السكن والغذاء والنقل والتعليم والخدمات. ويمكن لهذه المداخيل أن تدعم الاستهلاك المحلي، وتوفر فرصاً للعاملين في قطاعات تقنية ومهنية، وتتيح للشركات الأجنبية الاستفادة من مهارات لبنانية من دون الحاجة إلى نقل الموظفين إلى مقارها الخارجية وبالتالي التخفيف الاعباء المالية عليها. كما أن تصدير الخدمات الرقمية والمهنية يتيح للبنان، الاستفادة من موارده البشرية بوصفها جزءاً من قدرته الإنتاجية، بدلاً من اقتصار الاستفادة منها على سوق العمل المحلية.
لكن قياس الأثر الاقتصادي لهذه الظاهرة يتطلب بيانات أكثر تفصيلاً، تشمل عدد العاملين، ومتوسط الأجور، وطبيعة العقود، وقيمة المدفوعات الواردة من الخارج، وحجم الإنفاق الذي يبقى داخل الاقتصاد اللبناني. ومن دون هذه البيانات، لا يمكن تحديد القيمة الإجمالية للعملات الأجنبية التي يجلبها هذا النشاط، أو احتساب مساهمته الدقيقة في الناتج المحلي.
ما الذي يمنع توسع هذا القطاع؟
على الرغم من الفرص التي يوفرها العمل عن بُعد، فإن توسيع نطاقه يتطلب معالجة مجموعة من العقبات، في مقدمتها استقرار الكهرباء والإنترنت، وسهولة الوصول إلى وسائل الدفع الدولية، إضافة إلى وضوح الإجراءات القانونية والضريبية. كما أن استدامة هذا النموذج تعتمد على تطوير المهارات المهنية والتقنية، وتحسين التدريب اللغوي والرقمي، وربط الجامعات ومؤسسات التدريب بحاجات الشركات الدولية.
ومن جهة أخرى، لا يكفي استقطاب وظائف جديدة إذا كانت العقود قصيرة الأجل أو تفتقر إلى الاستقرار والحماية الاجتماعية. فالقيمة الاقتصادية لهذا القطاع ترتبط أيضاً بجودة فرص العمل وقدرة العاملين على تطوير مهاراتهم وتحقيق دخل مستدام.
والسؤال الذي يطرح هنا هل يستطيع لبنان تحويل العمل عن بُعد إلى قطاع تصديري؟ الجواب هو صحيح أن لبنان يمتلك كفاءات في مجالات التكنولوجيا والخدمات المهنية، ويتيح العمل الرقمي الوصول إلى أسواق خارجية من دون الحاجة إلى انتقال العاملين جغرافياً. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى قطاع اقتصادي واضح المعالم يتطلب أكثر من مبادرات فردية ومنصات توظيف، فهو يحتاج إلى بنية تحتية موثوقة، وإطار قانوني قابل للتطبيق، إلى جانب بيانات رسمية ترصد عدد العاملين وحجم الإيرادات وطبيعة الوظائف .أما السؤال الذي يبقى مفتوحاً، فهو ما إذا كان العمل عن بُعد سيظل حلاً فردياً يلجأ إليه اللبنانيون لمواجهة محدودية الفرص في بلدهم، أم يمكن أن يتحول إلى قطاع منظم لتصدير الخدمات واستقطاب الإيرادات الأجنبية، ويساهم في دعم الاقتصاد وخلق وظائف مستدامة، والى الآن لا جواب جازم على هذا السؤال.




