بين المنبر والميادين : حين تلتقي شرعية المفتي بشرعية العشائر

الشيخ مرعي فياض
في بلدٍ تتشظى فيه الولاءات وتتآكل فيه المرجعيات، برز أخيرًا موقفان متكاملان يعيدان رسم خارطة التوازن الوطني المفقود:
الأول من على منبر دار الفتوى بصوت سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان،
والثاني من ميادين الناس، ممثّلة بتجمّع العشائر العربية في لبنان، الذين أعلنوا تأييدهم الكامل لما قاله سماحته، مشدّدين على أنّ تجاوز الموقع السني في لبنان لم يعد مقبولًا، لا دينيًا ولا شعبيًا ولا سياسيًا.
كلام المفتي جاء من منبر الشرعية الدينية العليا للطائفة السنية في لبنان، ولم يكن خطابًا طائفيًا أو تحريضيًا، بل تحذيرًا صريحًا وهادئًا من مغبّة الاستمرار في التهميش السياسي والانحدار المؤسساتي الذي يهدد مبدأ التوازن الوطني، خصوصًا في ظل غياب تطبيق اتفاق الطائف بروحه ونصه.
المفتي يرفع الصوت… بعد طول صبر
ما يجب التوقف عنده، هو أنّ سماحة المفتي لم يكن ليطلق هذا الموقف الحاد لولا أن الأمور بلغت حدًّا من التراكم والاستفزاز لم يعد يُحتمل.
من ملف التعيينات التي تُقصى منها الطائفة السنية بشكل منهجي،
إلى الملاحقات القضائية الانتقائية،
مرورًا بـ قضية الموقوفين الإسلاميين والملاحقين أمام المحكمة العسكرية الذين يشكّلون ما يزيد عن 90% من مجموع الملفات،
ووصولًا إلى الملاحقة المريبة التي يتعرّض لها كل من الوزير سلام والعقيد المتقاعد عميد حمود،
في مقابل تجاهل فاضح للعديد من الملفات والجرائم الواضحة، والتي تضيق بها الصحف ومنصات التواصل.
في هذا السياق، جاء موقف المفتي كإنذار نهائي، وتحذير مسؤول من أن الصمت لم يعد مجديًا، وأن الموقع السني ليس متروكًا كما يظن البعض.
شرعيتان تلتقيان
دار الفتوى تمثّل الشرعية الدينية التاريخية للطائفة،
وتجمع العشائر يمثّل اليوم شرعية شعبية وسياسية واجتماعية، تمتد من الجنوب إلى الشمال، ومن البقاع إلى جبل لبنان وبيروت.
وعندما تلتقي هاتان الشرعيتان في خطاب واحد، تصبح الرسالة مضاعفة:
“هذه ليست فقط صرخة مفتي، بل صرخة طائفة كاملة، صرخة جمهور غاضب لكن مسؤول، يشعر أن هناك من يتعمد تهميشه أو تذويبه.”
موقف العشائر: أكثر من تأييد… مشروع وطني
ما ميّز موقف تجمّع العشائر العربية هذه المرة، أنه لم يكن مجاملة شكلية، بل موقف سياسي صريح، قوي، وراسخ.
حين تقول العشائر:
“نملك القدرة والعزيمة والإرادة لفرض ما نراه عدلًا وحقًا…”
فهو لا يطلق شعارًا، بل يرسم معادلة حضور فعلي في المشهد الوطني.
تجمّع العشائر عبّر عن شريحة واسعة من السنّة، ووقف كحائط وازن خلف دار الفتوى، من موقعه كقوة سياسيّة ومجتمعية وطنية مؤثّرة، تملك:
• امتدادًا ديموغرافيًا متينًا،
• حضورًا سياسيًا فاعلًا،
• ورسوخًا في الوجدان السنّي اللبناني
ما بعد الموقف
اليوم، على الجميع أن يفهم أن موقف المفتي والعشائر ليس عابرًا ولا قابلًا للتجاهل.
إنه محطة مفصلية في مسار العلاقة بين الدولة والمكوّن السني، ويفتح الباب أمام:
• إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف كمظلة وطنية لا مجال لتجاوزها.
• تثبيت موقع دار الفتوى كمرجعية عليا لا يُستهان بها، تمامًا كما يجافي الحكمة من يحاول التغاضي عن الوزن السياسي والشعبي الذي تمثّله العشائر في الشارع السني والوطني



