خاص العشائر نيوز

انتماؤك للحزب لا يبيح لك تحزيبها البلدية بين الحزب والبلدة

حين يتعارض الحزب مع البلدة: أين تنتهي الحزبية وتبدأ مسؤولية رئيس البلدية؟

في لبنان، حيث تتداخل السياسة بالعائلة والطائفة والبلدة والإنماء، ليس غريباً أن يكون رئيس البلدية أو عضو المجلس البلدي صاحب انتماء سياسي أو حزبي. وليس في ذلك، من حيث المبدأ، ما يعيب أو ينتقص من أهليته لتولي مسؤولية عامة.

فالإنسان لا يفقد حقه في الانتماء السياسي بمجرد انتخابه رئيساً لبلدية، ولا يصبح مطالباً بالتخلي عن قناعاته الحزبية لحظة وصوله إلى الموقع البلدي.

لكن المسألة تبدأ عندما تختلط صفة الشخص الحزبية بصفته البلدية.

هنا تحديداً تبدأ الجدلية التي تستحق النقاش: ماذا يفعل رئيس البلدية عندما تتعارض مصلحة حزبه مع مصلحة بلدته؟ ولمن تكون الأولوية؟ وهل يحق لرئيس بلدية انتُخب على أساس عائلي أو إنمائي أو توافقي، ولم يكن انتخابه على أساس برنامج حزبي، أن يستخدم موقعه البلدي لجرّ بلدته إلى خيارات سياسية لا تمثل بالضرورة إرادة أهلها؟

رئيس البلدية ليس مندوباً لحزبه

رئيس البلدية، بمجرد توليه منصبه، لا يصبح ممثلاً للحزب الذي ينتمي إليه، بل يصبح جزءاً من سلطة محلية تتولى إدارة شؤون بلدة ومصالح سكانها.

وهذه نقطة جوهرية.

فالبلدية، وفق النظام القانوني اللبناني، ليست إطاراً حزبياً، بل شخص من أشخاص القانون العام، وقرارات سلطاتها المحلية يمكن أن تخضع للرقابة أمام القضاء الإداري.

ومن هنا، فإن الانتماء الحزبي يبقى حقاً شخصياً وسياسياً لرئيس البلدية، بينما إدارة البلدية هي مسؤولية عامة.

يمكن لرئيس البلدية أن يكون حزبياً، وأن يعلن موقفه السياسي، وأن يمارس نشاطه الحزبي خارج إطار وظيفته البلدية. لكن عندما يتحدث بصفته رئيساً للبلدية، أو يوقّع كتاباً رسمياً، أو يصدر بياناً باسم البلدية، أو يمثل البلدة أمام الدولة أو الجهات السياسية أو الخارجية، فإن المرجعية التي يفترض أن تحكم موقفه هي مصلحة البلدية وسكانها، لا المصلحة التنظيمية لحزبه.

ماذا لو تعارضت مصلحة الحزب مع مصلحة البلدة؟

هنا الاختبار الحقيقي.

الولاء الحزبي قد يفرض على العضو السياسي موقفاً معيناً، لكن المسؤولية البلدية تفرض عليه شيئاً مختلفاً: أن يسأل أولاً، ماذا تحتاج البلدة؟

إذا كان المشروع الذي يريده الحزب يحقق مصلحة البلدة، فلا مشكلة في أن يلتقي الموقفان.

وإذا اختلفا، تصبح الأولوية للمصلحة البلدية التي انتُخب المسؤول لخدمتها.

فلا يجوز أن تتحول البلدة إلى ورقة تفاوض حزبية، ولا أن تستخدم حاجاتها أو مواردها أو موقعها الجغرافي أو تمثيلها الرسمي لخدمة معركة سياسية لا علاقة مباشرة لها بمصالح سكانها.

وهذا لا يعني أن رئيس البلدية يجب أن يكون بلا موقف سياسي.

بل يعني أن عليه أن يعرف متى يتحدث باسمه الشخصي ومتى يتحدث بصفته رئيساً للبلدية.

هنا ينبغي التمييز بين أمرين.

من حق رئيس البلدية، كمواطن وسياسي، أن يدافع عن الخيار السياسي الذي يؤمن به.

لكن لا يحق له تلقائياً أن يقول إن البلدة تتبنى هذا الخيار لمجرد أنه رئيس بلديتها، ولا أن يستخدم الصفة البلدية لإضفاء شرعية تمثيلية على موقف حزبي لم يُنتخب الناس على أساسه.

فالانتخاب البلدي لا يمنح رئيس البلدية تفويضاً مفتوحاً لتمثيل سكان البلدة في كل القضايا السياسية والوطنية، ولا يحوّل سكان البلدة إلى كتلة حزبية بحكم انتماء رئيس بلديتهم.

والأخطر أن يحدث ذلك في الملفات التي تقسم المجتمع المحلي أو تمس علاقات البلدة بالدولة أو القوى السياسية الأخرى أو الجهات المانحة أو المؤسسات الرسمية.

هناك فرق بين رئيس بلدية جاء إلى موقعه على أساس لائحة حزبية معلنة وبرنامج سياسي واضح، وبين رئيس بلدية فاز في إطار توافق عائلي أو إنمائي أو اجتماعي، ثم أصبح بعد انتخابه صاحب انتماء حزبي أو اختار الانخراط في مشروع سياسي.

في الحالة الثانية، لا يمكن تلقائياً تحويل الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات البلدية إلى تفويض سياسي لحزبه.

فالناخب قد يكون انتخب الشخص لخدمة بلدته، لا لتمثيله في الخيارات السياسية الكبرى.

وهنا تكمن مسؤولية رئيس البلدية في عدم إعادة تفسير التفويض الانتخابي على نحو يتجاوز ما منحه إياه الناخبون.

المسؤولية لا تقع على الرئيس وحده.

أعضاء المجلس البلدي ليسوا شهوداً صامتين على طريقة إدارة البلدية، ولا يفترض أن يتحول المجلس إلى مجرد إطار لتغطية القرارات السياسية للرئيس.

عندما يرون أن الصفة الحزبية بدأت تطغى على الصفة البلدية، فإن مسؤوليتهم المعنوية والسياسية تقتضي النقاش والاعتراض داخل الأطر البلدية، وطلب وضع المصلحة المحلية فوق الاصطفاف السياسي.

أما إذا تحولت المسألة إلى قرار إداري أو بلدي يخالف القانون أو يتجاوز الصلاحيات، فالمسألة لا تعود مجرد خلاف سياسي، بل تدخل في نطاق المشروعية والرقابة الإدارية، وهي مسائل يختص بها القضاء الإداري وفق الأصول.

وفي المقابل، يجب عدم تحويل كل اختلاف بين رئيس البلدية وأعضاء المجلس إلى اتهام بالتسييس. فالمطلوب هو التمييز بين الخلاف السياسي المشروع وبين استخدام السلطة البلدية لتحقيق غرض حزبي لا صلة له بالمصلحة البلدية.

 

في المقابل، من الخطأ أيضاً مطالبة رؤساء البلديات بأن يتخلوا عن السياسة أو أن يصبحوا أشخاصاً بلا قناعات.

البلدية تعمل داخل دولة، وتتأثر بالحكومة والوزارات والنواب والأحزاب والجهات المانحة والأوضاع الأمنية والاقتصادية.

ومن الطبيعي أن تكون لرئيس البلدية علاقات سياسية وأن يستفيد من علاقاته لخدمة بلدته.

بل إن استخدام العلاقة السياسية لجلب مشروع أو تمويل أو خدمة إلى البلدة لا يصبح مشكلة لمجرد أن رئيس البلدية ينتمي إلى حزب.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الحزب هو الغاية والبلدة هي الأداة، بدلاً من أن تكون العلاقة السياسية وسيلة لخدمة البلدة.

 

المعادلة الصحيحة ليست أن يُطلب من رئيس البلدية التخلي عن حزبه، ولا أن يُطلب منه إخفاء قناعاته السياسية.

من حقه الكامل أن يكون حزبياً، وأن ينتمي إلى الحزب الذي يراه مناسباً، وأن يدافع عن أفكاره ومواقفه السياسية.

لكن ليس من حقه أن يخلط بين الحزب والبلدية.

ليس من حقه أن يستخدم صفته كرئيس بلدية لتقديم موقف حزبي على أنه موقف البلدة من دون تفويض واضح، ولا أن يجعل مصالح أهلها رهينة لالتزاماته التنظيمية، ولا أن يقدّم مصلحة حزبه عندما تتعارض بصورة مباشرة مع المصلحة العامة للبلدة التي انتُخب لخدمتها.

والقاعدة الأبسط والأكثر عدلاً هي:

حين يتحدث رئيس البلدية باسمه، فله كل الحق في أن يكون حزبياً. وحين يتحدث باسم البلدية، عليه أن يكون رئيس بلدية أولاً.

أما إذا تعارضت مصلحة الحزب مع المصلحة الواضحة لأبناء البلدة، فإن المسؤولية التي قبلها رئيس البلدية أمام ناخبيه تفرض عليه أن يقدم مصلحة بلدته.

فالناس لم ينتخبوه ليكون مندوباً لحزب داخل البلدية، بل انتخبوه ليكون مسؤولاً عن بلدتهم.

والحزب يمكن أن يختلف معه رئيس البلدية ثم يبقى حزبياً؛ أما البلدة، فإذا خسر رئيس بلديتها ثقتها ومصالحها، فقد خسر جوهر المهمة التي انتُخب من أجلها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى