إقليمي ودولي

بعد الفوز الانتخابي… صراع داخل الحزب الديمقراطي على القيادة وما بعد ترامب

لم تحسم الانتصارات الواسعة التي حققها الحزب الديمقراطي في انتخابات منتصف الولاية الأميركية معركة هويته السياسية أو اتجاهه في المرحلة المقبلة، بل فتحت الباب أمام نقاش داخلي حول القيادة والأولويات وطبيعة المواجهة مع الرئيس دونالد ترامب، مع اقتراب تسلّم الحزب الأغلبية في مجلسي الكونغرس.

وترى صحيفة “لوموند” الفرنسية، في تقرير، أن التحدي الأساسي أمام الديمقراطيين لن يكون تحقيق الفوز الانتخابي فحسب، بل تحويله إلى نتائج سياسية وتشريعية، في ظل استمرار سيطرة ترامب على البيت الأبيض، والانقسامات بين الجناح التقدمي والقيادات التقليدية للحزب.

وبحسب النتائج الواردة في التقرير، حصل الديمقراطيون حتى الآن على 253 مقعداً في مجلس النواب و54 مقعداً في مجلس الشيوخ، ما يمنحهم هامشاً واسعاً يسمح بتحمل بعض حالات الانشقاق أو المعارضة داخل صفوفهم. لكن هذه الأغلبية لا تعني أن الحزب دخل مرحلة خالية من التحديات، إذ يتعين عليه إثبات قدرته على إدارة الكونغرس واستعادة دوره الرقابي.

وتبرز في قلب هذا الاختبار مسألة القيادة، إذ يُتوقع أن يتولى هاكيم جيفريز رئاسة مجلس النواب، فيما يقود تشاك شومر الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ. غير أن الرجلين يواجهان انتقادات من الجناح التقدمي، الذي يعتبر أن قيادتهما حذرة وبعيدة عن تطلعات القواعد الحزبية، فيما يطالب بتجديد الوجوه والأساليب السياسية.

وتكشف الاعتراضات على القيادتين حجم التوتر داخل الحزب. فقد جمعت عريضة على موقع “Change.org” تطالب باختيار مرشح آخر لرئاسة مجلس النواب بدلاً من جيفريز نحو 600 ألف توقيع، وسط انتقادات تتعلق بعلاقاته مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك”. أما شومر، البالغ 75 عاماً، فتعرّض لانتقادات من زملائه بسبب ما وصفوه بالحذر الزائد، وتأخره في دعم المرشحين التقدميين قبل الانتخابات.

ولا يقتصر الخلاف على الأشخاص، بل يمتد إلى طبيعة المواجهة مع ترامب. فهناك اتجاه يدعو إلى التصعيد الكامل في وجه الإدارة الجمهورية، وآخر يفضّل التركيز على خطوات قابلة للتحقيق، تفادياً لاستنزاف الجهود في مشاريع يمكن للرئيس تعطيلها باستخدام حق النقض.

الحرب على إيران والرعاية الصحية في صدارة الأولويات

وفي تحديد الأولويات، طرح السيناتور التقدمي بيرني ساندرز مسألتين أساسيتين: توفير التغطية الصحية لجميع الأميركيين، وفرض ضريبة على أصحاب المليارات.

من جهته، حدّد السيناتور المنتخب عن ميشيغان عبد الإله السيد ثلاثة ملفات يريد الديمقراطيون العمل عليها، هي إنهاء الحرب على إيران التي أطلقتها إدارة ترامب من دون استشارة الكونغرس، ومراجعة سياسة الرسوم الجمركية التي أدت إلى مواجهة مع كندا، ووقف التخفيضات التي تطال برنامج “ميديكيد” المخصص لتغطية الرعاية الصحية للفئات الأقل دخلاً.

وأشار التقرير إلى أن هذه الأولويات لاقت تأييداً أيضاً من السيناتور المعتدل كريس كونز، ما يعكس وجود نقاط مشتركة بين تيارات الحزب رغم الخلافات بشأن أسلوب المواجهة مع الإدارة.

ويبحث الديمقراطيون كذلك إمكانية الاستعانة بأصوات عدد من الجمهوريين لتجاوز الفيتو الرئاسي في بعض الملفات، إذ يتطلب ذلك موافقة ثلثي أعضاء مجلسي الكونغرس. ومن بين الخيارات المطروحة تقديم حزمة مساعدات جديدة لأوكرانيا، أو التصويت على قرار يعتبر استمرار الحرب غير المعلنة مع إيران غير قانوني.

كما يعتزم الديمقراطيون عرقلة أي تمويل إضافي لوزارة الدفاع الأميركية إلى حين انتهاء الصراع مع طهران.

الرقابة على إدارة ترامب… سلاح الأغلبية الجديد

لكن المساحة الأوسع لتحرك الديمقراطيين ستكون عبر صلاحيات الرقابة على السلطة التنفيذية وتشكيل لجان تحقيق، وهي خطوات لا تتطلب تعاوناً من الجمهوريين. ويعتزم الحزب فتح ملفات تتعلق بشبهات الفساد وتضارب المصالح داخل إدارة ترامب، إلى جانب سياسات الهجرة وكلفة المعيشة.

ومن المقرر أن يتولى النائب الديمقراطي روبرت غارسيا رئاسة لجنة الرقابة في مجلس النواب، وقد أعلن أربعة محاور أساسية للتحقيق: ما وصفه بفساد عائلة ترامب، وممارسات وزارة الأمن الداخلي وشرطة الهجرة، وما سماه فساد الشركات المرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى ملف جيفري إبستين.

وفي ملف عائلة الرئيس، أشار غارسيا إلى تمويل رجل أعمال روسي حفل زفاف دونالد ترامب جونيور، وإلى حصول جاريد كوشنر على ملياري دولار من السعودية بعد مغادرته البيت الأبيض، فضلاً عن ارتباط أبناء آخرين لترامب بشركات تحصل على عقود من وزارة الدفاع. كما تحدث عن مصالح مالية للرئيس مرتبطة بالعملات المشفرة.

أما في ملف إبستين، فيعتزم الديمقراطيون الضغط على وزارة العدل لنشر الوثائق التي لا تزال محجوبة، رغم إقرار قانون بشأنها وتوقيع ترامب عليه. ولفت غارسيا إلى أن أكثر من ألف امرأة تقدمن للإدلاء بشهادات باعتبارهن ضحايا إبستين.

ويشير التقرير إلى أن الديمقراطيين يدرسون أيضاً استدعاء مسؤولين وشركات من قطاعات الصحة والتكنولوجيا والطاقة للتحقيق في تضارب المصالح أو علاقاتها مع الإدارة، لكنهم قد يتجنبون توسيع هذه المواجهة بصورة تضر بعلاقات الحزب مع قطاع الأعمال.

وفي السياق نفسه، قد تصبح شركات المحاماة التي وافقت على تسويات مع الإدارة لتجنب الضغوط الفيدرالية هدفاً لتحقيقات يقودها النائب جيمي راسكين، المتوقع أن يرأس اللجنة القضائية في مجلس النواب.

كما يبرز اسم وزير الدفاع بيت هيغسيث ضمن الشخصيات التي قد تستهدفها الأغلبية الديمقراطية، على خلفية دوره في العمليات العسكرية ضد إيران. وكان ترامب قد أقر بتلقيه اتصالات تطالبه بإقالته، لكنه قال إنه لا يعتزم اتخاذ هذه الخطوة، واصفاً أداءه بأنه ممتاز.

وفي المقابل، أعلن النائب الجمهوري توماس ماسي عزمه تقديم مشروع في مجلس النواب الأسبوع المقبل لعزل هيغسيث، في خطوة قال إنها ستكون أقل حدة من التحركات التي يدرسها الديمقراطيون.

ويخلص التقرير إلى أن قدرة الديمقراطيين على تحويل أغلبيتهم إلى إجراءات فعلية ستتوقف على اختيار الملفات التي سيعطونها الأولوية، وعلى مدى استعداد بعض الجمهوريين للخروج عن الولاء لترامب والانضباط الحزبي، بعد الخسارة الانتخابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى