سفراء “الدول الخمس” يطلبون تعهّداً لبنانياً: زمن البيانات انتهى

كتب ميشال نصر في”الديار”: حمل بيان سفراء الدول الخمس، بريطانيا والولايات المتحدة وأوستراليا وكندا واليابان، رسائل سياسية تجاوزت ظاهرها الديبلوماسي، متخطيا للمواقف الدولية التقليدية حيال لبنان، مبينا بوضوح التغيير في طبيعة المقاربة الدولية لملف السيادة و”حصرية السلاح”، ما يكتسب أهميته توقيتا ومضمونا، خصوصا انه تزامن مع كلام واضح لوزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، اكد فيه ان واشنطن دخلت على خط الوساطة الأميركية – “الإسرائيلية”، بشرط نزع السلاح، والا فهي غير معنية.
واذا كان توسيع البيان لدائرة المسؤولية لتشمل مجلس النواب والأحزاب السياسية، هو من ابرز سماته، مذكرا باجتماع قصر الصنوبر في السادس من أيار بعيد انفجار المرفا، والرسالة التي حملها الرئيس ماكرون يومها، فان أوساطا ديبلوماسية فندت ابرز ما ورد بين سطوره، متوقفة عند النقاط التالية:
– انتقال الضغط من الحكومة إلى مجمل الطبقة السياسية، فالسفراء لا يكتفون بمطالبة السلطة التنفيذية بتنفيذ تعهداتها، بل يريدون توسيع دائرة المسؤولية لتشمل البرلمان والأحزاب، بما يعني عملياً إخراج ملف السلاح من إطار التجاذب الحكومي، ووضع القوى السياسية أمام موقف لا يحتمل الالتباس، يمكن قياسه، فاستخدام عبارة “التزام علني وواضح” ، يحمل دلالة تتجاوز الصياغة الديبلوماسية التقليدية.
– تحميل ملف ضهر البيدر أبعاداً تتجاوز الحادثة نفسها، حيث يربط السفراء بين المسار القضائي ومفهوم سيادة الدولة، ويشددون على ضرورة أن يكون التحقيق سريعاً ومستقلاً، وبعيداً عن التدخل السياسي. فالمجتمع الدولي يتابع كيفية تعاطي السلطات اللبنانية مع القضية، ولن يكتفي بالإجراءات الشكلية من جهة، وأن استقلال القضاء والمساءلة يشكلان جزءاً من استعادة سلطة الدولة، وليس مجرد شأن قضائي داخلي من جهة ثانية، مع ما يعنيه ذلك من رفض لاحتواء تداعيات القضية سياسياً، واسقاط لاي تسوية داخلية قد يكون تم تمريرها، حتى وان لم يحل الملف الى المجلس العدلي.
– استناد البيان تحديداً إلى تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، فالعالم ليس في وارد فتح نقاش جديد حول تعريف السيادة، بل تثبيت ما سبق أن أعلنته الرئاسات اللبنانية، وتحويله إلى التزام سياسي جامع، واضعين الرئاستين أمام مسؤولية إضافية، لأن الدعم الدولي للمواقف المعلنة، يفترض أن يواكبه مسار تنفيذي قابل للقياس.وهنا يتحدث المصدر عن ان المطلوب اليوم هو الانتقال من تأييد التصريحات، إلى اختبار التنفيذ، وهي النقطة الأكثر أهمية في البيان، اذ ان الدول الخمس لا تعلن فقط دعمها للحكومة اللبنانية، بل تطالب بتعهدات علنية يمكن قياسها، مع انتهاء فترة السماح الديبلوماسي، والانتقال من مرحلة الترحيب بالمواقف الرسمية ، إلى مرحلة المطالبة بإثبات القدرة على ترجمتها.
وأشارت المصادر الى انه من الصحيح ان البيان لا يتضمن تهديداً مباشرا،ً أو تلويحاً بعقوبات أو إجراءات محددة، كما انه لا يحدد مهلة زمنية للتنفيذ، الا انه يمكن اعتباره “إنذاراً دولياً ” مبطنا، بعدما استنفذ المسؤولون كل الفرص التي أعطيت، دون احراز أي تقدم في أي من الملفات.
وكتبت بولا مراد في” الديار”: يترقب لبنان الرسمي بقلق مسار التطورات في كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل”، في ظل مشهد سياسي ضبابي فرضته نتائج الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، وما قد تحمله من انعكاسات على الملفات الإقليمية، وفي مقدمها الملف الإيراني والجبهة اللبنانية.
وبين قراءة تعتبر أن انشغال واشنطن و”تل أبيب” بإعادة ترتيب حساباتهما الداخلية قد يبعد شبح الحرب، وأخرى تحذر من الإفراط في التفاؤل، تبدو احتمالات التصعيد والتهدئة متساوية، بعدما كانت كفة الحرب أرجح قبيل الانتخابات.
وبحسب مصدر رسمي، فإن ثمة سيناريوهين أساسيين يمكن البناء عليهما في قراءة المرحلة المقبلة:- الأول: يفترض أن الخسارة الانتخابية التي مُني بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والحزب الجمهوري، ستدفع الإدارة الأميركية إلى مراجعة حساباتها، لا سيما في ما يتعلق بالملف الإيراني، بعدما أقر كل من ترامب ونائبه ،بأن هذا الملف كان من العوامل المباشرة التي انعكست سلباً على نتائج الانتخابات.
ومن هنا، قد تتجه واشنطن إلى التراجع خطوات إلى الوراء، والبحث عن تفاهم مع طهران، بدلاً من اللجوء إلى الخيار العسكري وتوجيه ضربات ضدها.
وينسحب هذا الاحتمال، وفق المصدر نفسه، على” إسرائيل” أيضاً، إذ إن التطورات السياسية الداخلية ، والتوجه لتكليف آيزنكوت تشكيل الحكومة، قد يفرضان على بنيامين نتنياهو إعادة النظر في حساباته، حيال فتح مواجهة جديدة مع حزب الله، في مرحلة شديدة الحساسية داخلياً، خصوصاً أن أي حرب واسعة، قد تكون لها تداعيات سياسية وأمنية يصعب احتواؤها.
– الثاني: لا يستبعد السيناريو الثاني أن يتصرف ترامب ونتنياهو وفق حسابات مختلفة تماماً. فالرئيس الأميركي، الذي تعرض لانتكاسة انتخابية داخلية، قد يرى في توجيه ضربة عسكرية لإيران، فرصة لاستعادة زمام المبادرة وتحسين صورته على المستوى الدولي، فيما قد يجد نتنياهو في إشعال جبهة لبنان مصلحة سياسية داخلية، في ظل صعوبة تشكيل آيزنكوت حكومة جديدة بسهولة خلال الأسابيع المقبلة، ما يمنح رئيس الحكومة الحالي هامشاً زمنياً للتحرك، سواء خلال هذه الفترة أو بعدها.
وفي هذا السياق، يحذر المصدر الرسمي من ضرورة عدم التعامل مع المؤشرات الإسرائيلية الأخيرة باستخفاف، لا سيما الخطاب الإعلامي الصادر عن وسائل إعلام قريبة من نتنياهو، إلى جانب مواقف الناطقين باسم “الحكومة الإسرائيلية”، والتي تركز على ما تصفه بإعادة حزب الله بناء قدراته العسكرية واستعادة إمكاناته. وترى هذه المصادر أن تكثيف الحديث عن هذه المعطيات، قد يشكل تمهيداً لتبرير تحرك عسكري إسرائيلي جديد..
وعليه، لا يجد لبنان الرسمي ما يبرر الاطمئنان إلى أن الانشغال الأميركي والإسرائيلي بالاستحقاقات الداخلية، يعني حكماً تراجع احتمالات الحرب، اذ يُخشى أن تتحول مرحلة إعادة الحسابات إلى فرصة لتغيير قواعد الاشتباك، لا إلى مدخل لاحتواء المواجهة.




