ثلاثية رئاسة الحكومة والمفتي والعشائر

في ظل تصاعد الأحداث المؤسفة في الجنوب السوري، وتحديدًا في السويداء، وما تخلّلها من توترات بدأت تتسرّب شظاياها إلى دول الجوار، لم يكن مشهد لبنان بمنأى عن هذه العدوى. فبلد يتقاطع فيه النسيج العشائري مع التركيبة الطائفية الدقيقة، كلبنان، لا يمكن أن يبقى محصنًا ما لم تتحرّك قواه الحيّة لإطفاء الحريق قبل أن يتسع.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان إلى رئاسة الحكومة، ولقاؤه بالرئيس نواف سلام يرافقه مفتي المناطق، عقب تطورات السويداء، وبعد زيارته المعلنة إلى سوريا وخطابه الصارم عالي السقف، لتشكّل ما يشبه “نداء حماية” للشرعية، وتثبيتًا لموقع رئاسة الحكومة في وجه رياح التجاذبات والاصطفافات.
لكن اللافت أن هذه الزيارة لم تبقَ يتيمة. فبعد أيام قليلة، كانت العشائر العربية – بكل ما تمثّله من ثقل اجتماعي وتاريخي وامتدادات داخلية وخارجية – على موعد مع رئيس الحكومة نفسه، في لقاء عُدَّ استثنائيًا في توقيته ودلالاته. فالعشائر التي باتت اليوم تتقدّم إلى المشهد كقوة سياسية واجتماعية منظمة، عابرة للحدود من لبنان إلى سوريا والأردن والخليج، لم تعد مجرّد خزّان بشري، بل شريك فاعل في صناعة التوازنات.
بل أكثر من ذلك، أصبحت العشائر اليوم تُشكّل عمودًا فقريًا متناميًا في الحياة السياسية العربية، يتقاطع دورها في الداخل اللبناني مع حراكها في الإقليم. وبالتالي، فإنّ زيارتها إلى رئاسة الحكومة اللبنانية لا تحمل فقط بعدًا داخليًا، بل تتّصل أيضًا برسالة دعم إقليمي واضحة، تُظهر أنّ هذه القوى المجتمعية – ذات الامتداد الجغرافي والروحي والسياسي – تقف إلى جانب الاستقرار، وضد محاولات زعزعة الشرعيات الوطنية.
وقد عبّر وفد العشائر في لقائه مع الرئيس نواف سلام عن موقف واضح لا لبس فيه:
“مقام رئاسة الحكومة هو خط أحمر بالنسبة إلينا، لا من باب الطائفة فحسب، بل من باب الدولة والميثاق والدستور. إنه الموقع الذي نرى فيه الضمانة لاستمرار الدولة، وحفظ التوازن الوطني، ومنع مشاريع الإلغاء والتهميش والتفريغ.”
وأكد الوفد أن العشائر،
من وادي خالد إلى مروحين،
تمثل الحاضنة السياسية والشعبية لهذا الموقع، والمدافعة عنه كما تُدافع عن حدودها، متعاملين مع رئاسة الحكومة كـ”أمانة وطنية ودستورية لا يُسمح لأحد بالمساس بها تحت أي عنوان”.
هذا الموقف يكرّس بوضوح الدور المتقدّم الذي باتت تلعبه العشائر في المعادلة الوطنية، ليس بوصفها مكوّنًا اجتماعيًا فحسب، بل كحارس للشرعية والميثاقية والدستور.
إنّ العلاقة المتينة بين مفتي الجمهورية اللبنانية والعشائر العربية، والتي بلغت مستوى عاليًا من التفاهم والتكامل، لا يمكن فصلها عن السياق الوطني العام الذي يفرض على القوى الحيّة في الطائفة السنية أن تتكاتف لحماية مقوّمات الدولة ومؤسساتها الدستورية.
ففي ضوء هذه التطورات، يتبلور أمامنا ثلاثي وازن يشكّل درعًا واقيًا للاستقرار اللبناني:
• رئاسة الحكومة، باعتبارها الموقع السني الأول، والركن الميثاقي الأساسي في معادلة الحكم،
• دار الفتوى، بصفتها المرجعية الدينية الجامعة،
• العشائر العربية، بوصفها التعبير الأصيل عن الشرعية الشعبية والسياسية المتجذّرة في الأرض والتاريخ.
هذا الثلاثي لا يلتقي فقط في الشكل، بل في الجوهر: رعاية مقام رئاسة الحكومة، حمايته، ومنحه الحصانة السياسية والدينية والشعبية في مواجهة محاولات الإضعاف أو الاستهداف أو القفز فوق الميثاق.
ومن هنا، فإنّ زيارة المفتي ووفد مفتي المناطق، ثم لقاء العشائر العربية مع الرئيس نواف سلام، لا يمكن فهمها إلا كرسالة دعم وتثبيت للشرعية، ولشخص نواف سلام تحديدًا في رئاسة الحكومة، بما يمثله من توافق داخلي وخارجي وغطاء ديني وشعبي. لقد بات من الصعب – بل من غير المقبول – أن يشكك أحد اليوم بشرعية نواف سلام، بعد أن اجتمعت حوله هذه المكونات الثلاث الأساسية.
إنّ لبنان، الذي يواجه مخاطر التفتيت والانقسام، بحاجة إلى مثل هذا النوع من التلاقي الوطني العابر للاصطفافات، المستند إلى شرعيات أصيلة وغير مصطنعة.




